في موازاة الوساطة الكويتية والضغط الأميركي لإنهاء مقاطعة قطر ووضح حدٍّ للأزمة الخليجية، برزت حركة سعودية غير عادية في اتّجاه الترويج لإنجاز مصالحةٍ باتت في متناول اليَد، كما أسلف وزير خارجية المملكة، فيصل بن فرحان. مصالحةٌ تستبشر فيها الرياض خيراً، إذ ترى، كما حليفتها واشنطن، أن لمّ الشمل الخليجي سيشكِّل، إذا ما ضُمّت إليه إسرائيل، جبهةً موحّدة في مواجهة إيران، تقف سدّاً منيعاً أمام أيّ خطوة تخالف سياسة «الضغوط القصوى». ليس ذلك وحسب، فالمملكة باتت أكثر جرأة ووضوحاً للحديث عن مطالبها التي تبدو متطابقة مع المطلب الألمانيّ المستجدّ: لا اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني لا يشمل ذاك الصاروخي!


تلوذ الإمارات ومصر بالصمت إزاء التطورات المتّصلة بالمصالحة الخليجية. مساعي السعودية إلى تبديد خلافات «الأشقّاء» تبدو منفردة، على رغم حديثها عن أن الحلفاء «على الخطّ نفسه» في ما يتعلّق بحلّ الأزمة المتواصلة منذ منتصف عام 2017. وهي إذ تُبدي استعجالاً للخلاص من عبء يُشرذم «أهل البيت» الواحد، تنصاع لضغوط الإدارة الأميركية التي تريد، من جهتها، لمّ الشمل الخليجي لمواجهة ما قد يترتّب على سياسات الإدارة الجديدة في المنطقة، وخصوصاً لجهة تعاملها مع إيران. ومن هذا المنطلق، جاء تشديد وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، على وجوب التشاور مع دول الخليج «بشكل كامل» في حال أرادت الإدارة الأميركية المقبلة إحياء الاتفاق النووي مع طهران، وتأكيده أن الرياض، كما برلين، تفضّل نموذجاً أوسع للاتفاق الحالي يشتمل على برنامج الصواريخ البالستية.
رهان المملكة على ضخّ بعض الحياة في «مجلس التعاون الخليجي»، يقابله تعنُّت تبديه حليفتها، الإمارات، التي يُرجِّح مراقبون أن تستثني نفسها من اتّفاق لا تراه ضرورياً، ولا سيّما أن وسائل إعلامها لم تخفّف نبرتها ضدّ قطر بخلاف هذه الأخيرة. يؤكّد ما سلف، استبعادُ سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، أن تُحلّ الأزمة في أيّ وقت قريب، لكونها «ليست على قائمة أولويات أيّ شخص»، كما خلص في وقت سابق من الشهر الجاري. لكن وزير الخارجية السعودي أكّد، في مقابلة مع وكالة «فرانس برس»، أن حلفاء بلاده «على الخطّ نفسه» في ما يتعلّق بحلّ الأزمة الخليجية، متوقّعاً التوصّل قريباً إلى اتّفاق نهائي في شأنها. يأتي ذلك في موازاة كَشْف مصدر دبلوماسي تحدّث إلى صحيفة «الراي» الكويتية أن قمّة «مجلس التعاون» المزمع عقدها في البحرين هذا الشهر ستشهد مصالحة خليجية. وذكرت الصحيفة أن «نقاط الخلاف والطلبات والشروط التي تمّ الحديث عنها خلال عُمرِ الأزمة ستُناقَش في لجان خليجية خاصّة، سعياً للتوصّل إلى حلول لها بما يضمن عدم تجدّدها، واستمرار تماسك المنظومة الخليجية والعربية».

تفضّل الرياض نموذجاً أوسع للاتفاق النووي الإيراني تحدّثت عنه برلين في الأيام الماضية


وفي أعقاب تكثيف الكويت حراكها الدبلوماسي، أخيراً، للدفع قُدماً في اتّجاه حلّ تضغط الولايات المتحدة لإنجازه قبل مغادرة دونالد ترامب منصبه، أكّد ابن فرحان الذي استقبل في الرياض، أمس، مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شينكر، أن تحقيق اختراق لحلّ الأزمة بات وشيكاً، وذلك بعد إعلان الكويت تحقيق تقدّم صوب إنهاء الخلاف الذي تقول واشنطن إنه يعرقل وجود جبهة خليجية موحّدة ضدّ إيران. وقال: «نتعاون بشكل كامل مع شركائنا في ما يتعلّق بهذه العملية، ونرى احتمالات إيجابية للغاية في اتّجاه التوصل إلى اتفاق نهائي»، مضيفاً أن «جميع الأطراف المعنيّة ستكون مشاركة في الحلّ النهائي». ولدى سؤاله عمّا إذا كان النزاع يتّجه إلى تسوية كاملة، زاد قائلاً: «نتصوّر حلّاً يغطّي جميع الجوانب ويرضي كافة الأطراف المعنية». وبدا لافتاً إصرار ابن فرحان، خلال مشاركته في منتدى «حوار المنامة»، أول من أمس، على «استمرار السعودية في التزامها بتعزيز الأمن الخليجي ضمن وجود مجلس تعاون أكثر تكاملاً وتكريس إطار تعاوني قوي لدول الخليج العربية كما يراد لها».
لم تهدأ «الدبلوماسية» السعودية ومساعي الترويج للاتفاق الناجز. ومن المنامة، أطلّ وزير خارجية المملكة للحديث أمام «منتدى الحوار المتوسطي» في روما، بهدف إشاعة أجواء إيجابية بخصوص المصالحة، إذ قال: «حقّقنا تقدّماً كبيراً في الأيام الأخيرة بفضل الجهود المتواصلة للكويت، وأيضاً بفضل الدعم القوي من الرئيس ترامب»، آملاً أن «يسفر هذا التقدّم عن اتفاق نهائي يبدو قريباً جداً، وبوسعي أن أقول إنني متفائل إلى حدّ ما من أنّنا نقترب من إتمام اتفاق بين كل الدول محلّ الخلاف». من جهته، أفاد وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال المنتدى ذاته، بـ»(أننا) أحرزنا بعض التقدّم في مرحلةٍ ما، قبل أكثر من سنة، ثمّ تباطأت الأمور»، مشيراً إلى أن «وحدة الخليج مهمّة جداً لأمن المنطقة. وهذه الأزمة التي لا داعي لها، يجب أن تنتهي على أساس الاحترام المتبادل».
على أن كل الطرق الآنفة تؤدّي، من منظور سعودي، إلى زيادة الضغط على إيران، التي تخشى المملكة اعتماد الإدارة الأميركية المقبلة سياسة تهدئة إزاءها. وفي هذا الإطار، شدّد وزير الخارجية السعودي، في حديثه إلى «فرانس برس»، على أن إعادة إحياء أيّ اتفاق مع إيران في ظلّ الإدارة الجديدة يجب أن يتمّ بالتشاور مع دول الخليج: «بشكل أساسي، ما نتوقّعه هو أن يتمّ التشاور معنا بشكل كامل، وأن يتمّ التشاور بشكل كامل (كذلك) مع أصدقائنا الإقليميين في شأن ما يحدث، في ما يتعلّق بالمفاوضات مع إيران». برأيه، فإن «الطريق الوحيد في اتّجاه التوصل إلى اتفاق دائم هو عبر تشاور من هذا النوع». لكن الوزير أبدى ثقته بأن «إدارة بايدن، مثل شركائنا الآخرين، بمَن فيهم الأوروبيون، متفقون تماماً على ضرورة إشراك جميع الأطراف الإقليمية في أيّ حلّ». وبدت لافتة إشارته إلى أن المملكة تفضّل نموذجاً أوسع للاتفاق النووي الحالي تحدّثت عنه برلين في الأيام الماضية للجم برنامج طهران للصواريخ البالستية، معتبراً أن الاتفاق القائم «ناقص ولا يتطرّق إلى جميع القضايا المرتبطة بأنشطة إيران النووية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا