القاهرة | عندما قرّر «الرباعي العربي»، السعودية والإمارات ومصر والبحرين، قطع العلاقات مع قطر وفرض حصار شامل عليها لإجبارها على قرارات تخالف سياسة نظام الحمدَين، لم يكن الشركاء الأربعة يتوقعون أن تمرّ ثلاث سنوات على قرارهم ذاك قبل أن ينقسموا على أنفسهم إلى جانبين: الأول سعودي - بحريني يدعم المصالحة ويُقدّم تنازلات ترضي الدوحة الراغبة في التصالح مع الرياض حصراً (وسط ضغط لإدخال المنامة في التصالح بما يحقق عائداً مادياً لها ويخفّف من الدعم السعودي للاقتصاد البحريني المنهار)، والثاني مصري - إماراتي. هكذا، تقترب المنطقة من إعادة تشكيل التحالفات، ليس لأن المصالحة التي تتوسّط فيها الكويت منذ عهد الأمير الراحل أوشكت على الاكتمال فقط، بل لأن خريطة التحالفات ترتبط اليوم بقبول ما كان مرفوضاً أمس. من هذا مثلاً دخول القطريين على خطّ الوساطة بين تركيا التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة بسبب جائحة كورونا، والسعودية التي قد تقبل عودة التنسيق مع الأخيرة لكن بضوابط محدّدة.

صحيح أن الرياض لا ترغب في إيواء الدوحة وأنقرة أعضاء جماعة «الإخوان المسلمون»، لكنها تبدي انفتاحاً على وضع قيود لهذا الإيواء، الأمر الذي يعمّق الفجوة بين السعودية وخلفَها البحرين، وبين الإمارات ومصر، ولا سيما أن عبد الفتاح السيسي يضغط على محمد بن زايد بصورة غير مسبوقة من أجل وضع «ضوابط صارمة» على تمرير أيّ إجراءات للمصالحة. أيضاً، القاعدة التركية في الدوحة والعلاقات مع إيران وتركيا لم تعد تحظى بمعارضة سعودية كما في السابق، بل ترى الرياض أن في مصلحتها احتواء الدوحة في المرحلة الأميركية المقبلة، خاصة وسط حساباتها المعقدة في المنطقة، ونظرتها التي تملؤها الريبة تجاه سلطنة عمان وموقفها ممّا يحدث بعد تولّي هيثم بن طارق الحكم، وسياساته التي لا تبدو فعلياً كما سلفه قابوس بن سعيد، وسط المتغيّرات الاقتصادية داخل السلطنة.

تلقّى السيسي اتصالاً من ترامب يطلب منه فيه ألّا يعترض على المصالحة


في المقابل، ثمّة في التصالح مصلحة قطرية في فتح الحدود وعودة التبادل التجاري مع المملكة، وهي مكاسب ستغني عن التصالح الفوري مع الإمارات، الأمر الذي أوقفه الإماراتيون ومِن خلفهم المصريون. أمّا ما تَغيّر اليوم، فهو خسارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يجبر بعض الأطراف على «نصف مصالحة» ترضي الإدارة الأميركية، سواء الحالية التي ترغب في إتمام التسوية قبل الرحيل، أو المقبلة التي تريد أن تكون المصالحة من إنجازاتها في السياسة الخارجية ضمن منهجها الخاص بالشرق الأوسط. لذلك، لا يحظى هذا الصلح بدعم إماراتي - مصري رسمي، وهو ما يشير إليه الصمت المطبق تجاه التصريحات الإيجابية الصادرة عن السعودية وقطر والكويت والولايات المتحدة. يأتي ذلك في ظلّ الحنق السعودي من نتائج إعلان أبو ظبي الانسحاب المنفرد من الحرب في اليمن. أمّا مصر، فلا تجد رغبة في تعجيل المصالحة، لكنها لن تمانعها بعدما تلقى السيسي اتصالاً من ترامب يطلب منه ألّا يعترض أو يحبط الجهود الأخيرة لإدارته قبل الرحيل بعدما فعل ذلك العام الماضي.
وفيما تجري مناقشات حثيثة بين السعوديين والإماراتيين لضمان خروج أبو ظبي بأقلّ الأضرار، في ظلّ غياب تصوّر متكامل لدى الأخيرة في شأن الموقف المطلوب، وصلت التوجيهات الأمنية إلى الإعلام المصري، وفحواها أن انضمام القاهرة إلى «الرباعي» سابقاً جاء بعد إجراءات تصعيدية مصرية منفردة، ولذلك ليس بالضرورة أن تتطابق المصالح حالياً، ما يعني أن لدى المصريين حرية القرار في استئناف علاقتهم بقطر، أو بقاء مقاطعتهم المنفردة حتى إشعار آخر. في الخلفية، تقول مصادر إن القيادتين المصرية والإماراتية تنتظران وصول بايدن إلى الكرسي حتى تسيرا في المصالحة، إذ لا تُفضّلان إبرام تصالح كامل مع الدوحة حالياً، كي تكون هناك أوراق يمكن تناولها مع الإدارة الجديدة والتنازل عبرها، علماً بأنهما تسعيان إلى التقرّب من بايدن بعد الحملة الإعلامية ضدّه في وسائلهما، سواء الصادرة بالعربية أو الإنكليزية، إبّان الانتخابات. وفي القاهرة تحديداً، لم يعد «الديكتاتور المُفضّل لدى ترامب» هو المُفضّل لدى بايدن، حتى في الملفات الإقليمية، بما فيها فلسطين، الأمر الذي يسعى السيسي إلى تداركه ويُنسّق فيه مع ابن زايد الذي يرغب أيضاً في أن يستمرّ الحاكم الفعلي للإمارات من دون اعتراضات أميركية، وفي الحصول على السلاح من دون «فيتوات».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا