تتجدّد التجاذبات الدولية حول الملفّ الليبي، بعدما أخفقت الأمم المتحدة في قيادة الوساطة السياسية خلال الأيام الماضية للتوافق على آلية لاختيار أصحاب المناصب السيادية في المرحلة الانتقالية قبيل إجراء الانتخابات المتّفق عليها في كانون الأول/ ديسمبر المقبل، في وقت تعود فيه المدافع إلى وضعية الاستعداد بعد أشهر من الصمت. ووصل اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، إلى مصر في زيارة لساعات التقى خلالها مسؤولين في المخابرات وجهات سيادية، ليلحق بعدها بالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الموجود في باريس، كي يناقشا مع المسؤولين الفرنسيين ما يمكن تقديمه لتحقيق التوافق المنشود، خاصة أن حفتر يريد موافقات من عرّابيه على تزويده بالسلاح لمواجهة «جماعات متطرّفة» بدأت تُهدّده بالفعل.

الرؤية العسكرية التي عرضها حفتر في القاهرة تتحدّث عن محاصرة تنظيم «القاعدة» له من جهة، وقوات حكومة «الوفاق الوطني» والمرتزقة الداعمين لها من جهة أخرى، وهو سيناريو لم يكن مطروحاً من قَبل، علماً بأن قواته نَفّذت عمليات ضدّ «القاعدة» خلال الأيام الماضية، وسيطرت على معسكر للمغاوير في مدينة أوباري (جنوب)، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لتأمين المنطقة ومنع «القاعدة» من التمركز في قاعدة عسكرية في الداخل الليبي. أيضاً، رُصدت سفن حاملة للأسلحة خارج المياه الإقليمية الليبية قالت قوات حفتر إنها تابعة لتركيا وتجري متابعتها من كثب، لتعلن الاستنفار، خاصة أن هذه السفن التي توصف بأنها عسكرية صارت قريبة من منطقة «الهلال النفطي» في سرت.
في المقابل، تباشر «الوفاق» حراكها على نحو اعتيادي، ومن دون التقيّد بالمفاوضات الجارية، إذ وَقّعت اتفاقات مع قطر وإيطاليا خلال الأسابيع الماضية، وهو ما رأت فيه العواصم الخليجية المتحالفة مع مصر انتهاكاً للمفاوضات ومخرجاتها، مع اتهامات لطرابلس باستمرارها في الحصول على الدعم التركي. لكن أنقرة، التي لم تعد مستفيدة مؤقتاً من تحرّكات «الوفاق» على خلفية أزمة طرابلس الاقتصادية ومشكلاتها الداخلية، لم تدخل كشريك في أيّ مفاوضات، من جرّاء رفض غالبية الأطراف إشراكها، وفي مقدّمتها فرنسا ومصر، فيما تبدي إيطاليا وألمانيا مرونة تجاه مشاركتها بصفتها عاصمة مؤثّرة في الملفّ الليبي.

مرّ حفتر بالقاهرة سريعاً قبل أن يلتحق بالسيسي في باريس


على مستوى البرلمان الليبي، أخفقت جميع المحاولات لتوحيد النواب وعقد جلسة للمرّة الأولى منذ 2014، لأسباب بينها الانقسامات القبلية والخلاف حول مقرّ الانعقاد. ففي الوقت الذي دعا فيه رئيس البرلمان، عقيلة صالح، إلى جلسة في بنغازي اليوم الإثنين، وصل إلى غدامس عشرات النواب لعقد الجلسة هناك، على أن آخرين يرفضون نقل الجلسات بعيداً من العاصمة طرابلس. وما يخشاه صالح هو مناقشة إمكان سحب الثقة منه وانتخاب خليفة له، ما جعله يعرقل أيّ تسهيلات لعقد الاجتماع بتوافق الفئة الكبرى من النواب الذين يشارك بعضهم في الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة. لكن المخاوف الكبرى اليوم باتت مما سينتج عن جلسة البرلمان من قرارات يمكن أن تُسبّب مشكلات جسيمة.
على خطّ موازٍ، أرجأت البعثة الأممية الجولة الجديدة من تصويت أعضاء «ملتقى الحوار» على آلية اختيار السلطة الجديدة إلى ما بعد الاجتماع النيابي المنتظر، وذلك مع تواصل الانقسامات بين الممثلين الـ75 المشاركين في الاجتماعات، وسط إصرار أممي على أن تكون نسبة التصويت على القرارات لاعتمادها 75% من إجمالي المشاركين، وهو ما أفشل التصويت الأول الذي شارك فيه 71 شخصاً. ويفترض أن يختار مُمثّلو الليبيين بين سيناريون بشأن مَن سيتولّون المناصب القيادية: الأول هو ترشيح كلّ إقليم من الأقاليم الثلاثة شخصيْن للعرض على الجلسة العامة للجنة الحوار كي يشغلا عضوية المجلس الرئاسي، على أن يَنتخب رئيسَ الوزراء جميعُ أعضاء لجنة الحوار، فيما يعيّن رئيس المجلس المنتمي إلى الإقليم الأكثر عدداً رئيس الوزراء. وهذا ما تُفضّله مصر والسعودية والإمارات، كما أنه حاز غالبية الأصوات في التصويت الأوّلي. أمّا السيناريو الآخر فينصّ على انتخاب كلّ إقليم ممثّليه في «الرئاسي»، ثم يُنتخب رئيس الوزراء من جميع أعضاء اللجنة، شرط حصوله على تزكية من إقليمه بما يعادل أربع تزكيات من الجنوب، وخمساً من الشرق، وسبعاً من طرابلس، على أن يعيّن رئيس المجلس المنتمي إلى الإقليم الأكثر عدداً رئيس الحكومة، وهذا الخيار هو المفضّل بالنسبة إلى «الوفاق» وتركيا.
وفي ظلّ غياب الآليات الملزمة، وضعف الثقة بعملية التصويت عبر الهاتف من دون وجود ما يضمن السرّية، تتعاظم الشكوك في إمكان مواصلة المسار الأممي. يأتي ذلك بعدما تَوقّفت التحقيقات التي كان يُفترض فتحها في شأن حالات الرشوة قبيل التصويت في جلسة الحوار قبل أسبوعين في تونس، وهو ما أرجئ حتى اليوم، وسط خلافات جوهرية بين جميع الأطراف.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا