بغداد | ليل الثلاثاء ــــ الأربعاء، دَوّت أصوات صافرات الإنذار داخل السفارة الأميركية في بغداد، في وقت تداولت فيه وسائل إعلام عراقية مقاطع مصوّرة لإطلاق قوات الاحتلال عدداً من الصواريخ المضادّة بهدف الدفاع عن السفارة (مطلع العام الجاري، نُصبت هناك منظومة «باتريوت» تحسّباً لأي هجوم صاروخي مماثل). أراد منفذو العملية استهداف السفارة مباشرة، لكن المقذوفات سقطت في ساحة الاحتفالات والمناطق المحيطة بها، وقرب مدينة الطب والزوراء، وأسفرت عن مقتل طفلة وإصابة خمسة من المدنيين. هذه الخسارة هي ما يُفسّر بها البعض صدور بيان شديد اللهجة عن «قيادة العمليات المشتركة» دان استهداف «المنطقة الخضراء» بـ 7 صواريخ كاتيوشا، على رغم استمرار الحكومة في «تحقيق المكتسبات السيادية، وآخرها «الإعلان عن سحب المئات من القوّات الأجنبية». وهاجم البيان ــــ من دون أن يسمّيها ــــ «بعض القوى الخارجة على القانون، وعلى الإجماع الوطني، وعلى رؤية المرجعية الدينية، المصرّة على إعاقة مسار تحقيق المنجزات السيادية»، معتبراً أنها «تراهن على خلط الأوراق ومحاربة الاستقرار، خدمةً لمصالحها وأهدافها الضيّقة البعيدة كلّ البعد عن المصلحة الوطنية». والجدير ذكره، هنا، أن أيّ فصيل لم يتبنّ العملية إلى الآن. حتى فصيل «أصحاب الكهف» (شُكّل مطلع العام الجاري) الذي حُمّل مسؤولية العملية لم يصدر عنه أيّ بيانٍ يؤكد ذلك، علماً بأنه ــــ في وقت سابق ولمرّات عدّة ــــ تبنّى هجمات ضدّ قوات الاحتلال الأميركي في عدد من المحافظات.

في سياق العملية، تجدر الإشارة إلى نقاط ثلاث:
1- إعلان إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جدولاً زمنياً واضحاً لانسحاب قواتها من العراق وأفغانستان، بالتوازي مع تسريبات لوسائل إعلامية أميركية ترجّح شنّ قوات الاحتلال هجمات على أهداف إيرانية في العراق. هكذا، بدا أن الانسحاب سيكون مقروناً بعمليات عسكرية ضدّ مقارّ فصائل المقاومة العراقية. وسبق للولايات المتحدة، وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، أن هدّدت الحكومة العراقية بإغلاق سفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية إن استمرّت عمليات الفصائل (في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر الماضيين)، بالتوازي مع «وساطات» أُطلقت لوقف تلك العمليات، وأسفرت عن «تبريد الجبهة الساخنة» (راجع «الأخبار، عدد 4200 و4172)
2- إعلان الأمين العام لـ«حركة النجباء»، أكرم الكعبي، جاهزية المقاومة العراقية لأيّ مواجهة ضد قوات الاحتلال. تصريحٌ يحمل دلالةً كبرى، وخاصة أن الرجل يُعدّ «المتحدّث الرسمي» لفصائل المقاومة، فضلاً عن أن تنظيمه لم يدخل العملية السياسية حتى الآن، ومواقفه منذ «جريمة المطار» التي استهدفت قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، تشي بأنه انتقل إلى خط المواجهة المباشرة، عكس عددٍ من القادة العراقيّين الذين رفعوا شعار «المقاومة» من دون أيّ ترجمة عملية لذلك.

ما من قرار أميركي حتى الآن بشنّ عمليات عسكرية ضدّ أهداف عراقية


3- إعلان رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، رفضه الدخول في صدام مع الولايات المتحدة، وانتهاجه «السياسة الهادئة» لحلّ قضية الوجود الأجنبي. وفي هذا الإطار، أشار الكاظمي إلى أن «الحوار الاستراتيجي» أسفر ــــ حتى الآن ــــ عن اتفاقٍ يقضي بإعادة انتشار القوات الأميركية خارج العراق، ومن ثمّ تشكيل لجنة فنية لمتابعة إعادة الانتشار، مضيفاً إن «الاجتماعات مستمرّة بين فريق الحوار العراقي والأميركي للوصول إلى الصيغة النهائية للانسحاب... وهو مطلب سيتحقق قريباً».
بناءً على تلك المعطيات، وفي قراءتها لما حدث ليل الثلاثاء ــــ الأربعاء، تورد مصادر فصائل المقاومة النقاط الآتية:
1- ليس من مصلحة الفصائل أو العمل المقاوم، راهناً، استهداف السفارة الأميركية. وسبق أن اتُّخذ القرار بمنح الاحتلال فرصة أخيرة لإثبات جدّيته في ملف الانسحاب، وثمّة مؤشرات تفيد بأن انسحابه مسألة وقت.
2- ما من قرار باستهداف السفارة أو البعثات الدبلوماسية. وجهتنا هي القواعد العسكرية الأميركية، وقوافل دعم قواتها، وأيّ انتشار عسكري أميركي على طول الخريطة العراقية.
3- هناك من يسعى إلى خلط الأوراق، ولا نستبعد أن تكون الجهة خارجية أو داخلية مرتهنة للخارج. البعض يريد الزجّ باسم «أصحاب الكهف»، علماً بأن الفصيل لم يُصدر أيّ بيان يتبنّى ما جرى، وهو ــــ حتى الآن ــــ يفتقد أيّ وجه إعلامي صريح!
في موازة ذلك، كان لافتاً، أمس، إعلان وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أن القوات الأميركية المتبقية في العراق «غير قتالية»، وإشارته إلى أن لقاءه بالسفير الأميركي في العراق، ماثيو تولر، «كان مهمّاً جدّاً... وقد تمسّك الجانب العراقي بجدولة الانسحاب». وأمام هذا التفاؤل بقرب الإعلان عن جدول زمني، تجزم مصادر أمنية رفيعة المستوى، على اتصال مباشر بالقيادة الأميركية، بأنه «ما من قرار أميركي ــــ حتى الآن ــــ بشنّ عمليات عسكرية ضدّ أهداف عراقية (فصائل المقاومة)»، مرجّحاً أن تكون التسريبات الإعلامية مجرّد «قنبلة دخانية» لتغطية انسحاب تريده واشنطن «حفاظاً لماء وجهها»، وهذا ما أبلغته لطهران وحلفائها طوال الأشهر الماضية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا