القاهرة | يصطدم المفاوضون في أزمة «سدّ النهضة» الإثيوبي بحائط جديد، مع إعلان إخفاق المفاوضات التي رعاها السودان بمشاركة مصر وإثيوبيا، ليعود الملفّ مجدّداً إلى الاتحاد الأفريقي، في خطوة تعكس إخفاق الدول الثلاث في التوصّل إلى آلية اتفاق مُلزمة لجميع الأطراف، فضلاً عن تعقّد مسار المفاوضات التي أعادها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الواجهة الشهر الماضي، حينما حثّ الخرطوم على التوسّط بين القاهرة وأديس أبابا.

وعلى رغم أن إثيوبيا تراهن على نتائج الانتخابات الأميركية التي قد تطيح ترامب من البيت الأبيض، وتعيد المساعدات والمنح الأميركية المتوقّفة منذ أسابيع، إلا أن مصر، كما تقول مصادر مواكبة، «لا تشعر بالقلق حتى الآن»، والسبب هو استمرار تدفّقات مياه النيل، بل تأمل في التوصّل إلى اتفاق ملزم قبل موسم الفيضان المقبل الذي يُفترض أن تبدأ في خلاله حصص المياه بالتأثر، خاصة مع تخزين كميات مياه كبرى في بحيرة السدّ خلال تموز/ يوليو المقبل.
في الإجراءات، وبعد إعلان إخفاق المفاوضات الأخيرة، سترفع الدول الثلاث مذكّرة تفصيلية إلى الاتحاد الأفريقي بالموقف النهائي لكلّ منها، فيما يقترح السودان مشاركة خبراء الاتحاد في الجلسات الثلاثية، وهو ما ترفضه مصر التي تطالب باستكمال المفاوضات عند ما انتهت إليه في آب/ أغسطس الماضي، لكنه مطلب لا يلقى ترحيباً. أما الرغبة السودانية - الإثيوبية في إقصاء دور المراقبين الأميركيين والأوروبيين، فتثير المخاوف المصرية من طرح آليات قد لا تتفق مع وجهة القاهرة، خاصة أن أديس أبابا ترغب في منح الخبراء الأفريقيين دون غيرهم أحقية طرح حلول وإعادة بعض الصياغات لحلول جذرية.

مع إخفاق الوساطة السودانية سيُعاد الملف إلى الاتحاد الأفريقي


وجهة النظر المصرية قائمة على «التعامل مع الأمر من منطلق استكمال المفاوضات على الأمور العالقة فقط، وليس فتح باب المناقشة من البداية»، خاصة أنه في جولات التفاوض السابقة، اتَّبع المفاوض الإثيوبي الطريقة نفسها. كما أن التمييز بين المراقبين على أساس جنسياتهم يحمل المصريين على الشكّ في الجولات المقبلة، ولا سيما أنهم يؤمنون بالخبرة الكبيرة التي يتمتّع بها الأوروبيون تحديداً، واطلاعهم على أزمات مماثلة أكثر من نظرائهم الأفارقة، وفق ما تدافع به المصادر نفسها.
وفي الجانب السوداني، تضغط الخرطوم للتوصّل إلى اتفاق تنفيذاً للتوصية الأميركية بالمساعدة على إيجاد حلّ، لكن الأزمة التي تواجهها الآن هي العناد بين المصريين والإثيوبيين، فضلاً عن التلويح المصري بالعودة إلى مجلس الأمن في حال استمرار المفاوضات الفاشلة وإضاعة الوقت بجلسات لا فائدة منها مقابل تواصل العمل بوتيرة أسرع في السدّ. أيضاً، ترى القاهرة أن الاتحاد الأفريقي لم يعد قادراً على إنهاء الأزمة، ليس لأنه ليس حاسماً في التعامل مع الجانب الإثيوبي فقط، بل لغياب تأثيره في الحكومة الإثيوبية، وإخفاق الرئيس الجنوب أفريقي، الذي تترأّس بلاده الاتحاد في العام الحالي، في إقناع أديس أبابا بالعدول عن مواقفها، ولا سيما رفضها إبرام اتفاق ملزم للجميع.
ومع أن نتائج الانتخابات الأميركية سيكون لها دور في تحديد الموقف الإثيوبي في المستقبل القريب، إلى جانب الأوضاع الداخلية الانتخابية، لكن بات واضحاً الترقّب الأوروبي لنتائج المفاوضات، خاصة مع التوافق على تقديم جميع الأطراف لتنازلات من أجل تسوية بات يتوسّط فيها أيضاً المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وهذان لهما علاقات جيدة مع إثيوبيا، وقد ناقشا التفاصيل في اتصالات مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل مدّة.
في المحصّلة، تقول المصادر إن مصر تدرك أن تنفيذ السدّ يحمل أبعاداً قومية وسياسية واقتصادية للحكومة الإثيوبية، لكنها في الوقت نفسه تدافع عن مصالحها المائية التي لا ترغب في الإضرار بها تحت أيّ ظرف، ولذلك تريد صياغة اتفاق يُخرجها من عنق الزجاجة، ومن حالة ترقب الحكومات الإثيوبية وتشكيلاتها المعقّدة والقرارات التي يمكن أن تتخذها، خاصة أن جزءاً من استمرار الهدوء المصري حتى الآن مرتبط بتوافق ضمني على انتظار الحكومة الجديدة بعد الانتخابات الإثيوبية التي تَأجّلت بسبب جائحة كورونا.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا