بخطى ثابتة، تسير عملية حلحلة الأزمة الليبية، في ظلّ تطمينات متبادلة بين الفرقاء إلى استبعاد عودة النزاع المسلّح، الذي يبدو أن الجميع باتوا على يقين من خسارتهم فيه. وإن لم يكن الأمر كذلك، فالأكيد أن جهوداً تُبذَل لتمديد الهدنة أطول مدّة ممكنة، من أجل التقاط الأنفاس على الأقلّ، وحلّ المشكلات البينية داخل كلّ معسكر. والأكيد أيضاً أن ثمة إجماعاً على التفاهم بسرعة أولاً، وبما يتوافق مع المبادئ الأممية التي باتت قاعدة تحكم أيّ اتفاقات يجري التوصل إليها أو صياغتها، ثانياً.

في هذا الإطار، اختتمت «اللجنة العسكرية الليبية المشتركة» (5+5) فعاليات اجتماعها الأول في ليبيا بعد أربعة اجتماعات خارجها، وذلك بتوافق واضح على أطر عامة تتماشى مع ما اتُّفق عليه في جنيف، ومطالبة مجلس الأمن بالتعجيل في إصدار قرار ملزم في شأن تنفيذ بنود الاتفاق الذي وَقّعه جميع الأطراف الشهر الماضي. ولعلّ أهمّ مخرجات اجتماع «5+5» تشكيل لجنة عسكرية فرعية للإشراف على عودة القوات إلى مقارّها، وسحب القوات الأجنبية من خطوط التماس، بما يشمل أيضاً مئات المرتزقة الذين قاتلوا إلى جانب قوات حكومة «الوفاق» في العاصمة طرابلس وبعض المدن. وكان لافتاً الاتفاق على صيغة للمراقبين الدوليين الذين سيتابعون على الأرض إجراءات وقف النار، لكن لم تعلن التفاصيل كافة بعد.
وعقدت اللجنة اجتماعها الأخير في مدينة غدامس (غرب)، موصيةً باستئناف الطيران إلى سبها وغدامس وتأهيل المطارات وفق الحاجة، على أن يكون ذلك مرتبطاً بما ستسفر عنه نتائج الاجتماع المقرّر في السادس عشر من الشهر الجاري في مدينة البريقة، من أجل التوافق على توحيد «حرس المنشآت النفطية». هنا، سيُقدّم كلّ طرف وجهة نظره لطريقة إدارة هذا الملفّ الحساس، وخاصة مع وعود بعقد لقاءات أخرى للجنة قبل هذا الموعد في مدينة سرت، التي اتُّخذت مقرّاً رئيسياً للاجتماعات خلال المرحلة المقبلة.

استقبال القاهرة لوزير داخلية «الوفاق» يُعدّ بمثابة فتح صفحة جديدة


حتى الآن، تبدو نقاط التوافق جيدة، كما يرى مراقبون، إذ إنها تصبّ في مصلحة الجميع، ولا سيما أن مختلف الأطراف تتحرّك دولياً لضمان حمايتها وحجز مكان لها في الخريطة السياسية المستقبلية التي تبدو أكثر وضوحاً مع الرغبة المشتركة في إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، يسبقها استفتاء على الدستور قبل نهاية 2021، وهو ما بات ممكناً جرّاء التوافق المبدئي على مرحلة انتقالية جديدة قد تطول نسبياً إلى منتصف 2022. ويرتبط عدول رئيس «الوفاق»، فائز السراج، عن استقالته بما سيتمّ الاتفاق عليه، على اعتبار أن لا أحد يرغب في الخروج خاسراً، وخاصة مع الضمانات الأممية بإغلاق أيّ ملفّات يمكن أن يتضرّر أصحابها في القريب العاجل، وإرجاء أيّ محاسبة محتملة للسلطة التي تتشكّل إلى نهاية المرحلة الانتقالية بعد انتخابات تحظى بإشراف دولي.
على صعيد المحور المقابل لـ«الوفاق»، يجري تواصل مكثّف مع أعضاء في مجلس النواب المنعقد في طبرق، وكذلك مع قوات المشير خليفة حفتر. والأخير تواصلت قياداته مع جهات استخباراتية في الخليج لترتيب صورة مستقبلية في ضوء الوضع الحالي، كما تنقل مصادر مواكبة. أما القاهرة، فاستقبلت للمرّة الأولى منذ مدة طويلة وزير الداخلية في «الوفاق»، فتحي باشاغا، الذي يسعى إلى تسويق نفسه بكثافة من أجل خلافة السراج على رأس الحكومة. وجاءت الزيارة بعد ترتيبات مكثفة واتصالات، بعضها معلن ومعظمها غير معلن، تناولت ملفات في مقدّمتها التعاون الأمني، إذ قام باشاغا بدور كبير في تسهيل إعادة مصريين إلى بلدهم بعد اختطافهم في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومته.
باشاغا تعهّد التنسيقَ والتعاون بما يضمن الاستقرار، مع تأكيده على «العلاقات الاستراتيجية والمتميّزة» مع مصر، وفق البيان الرسمي الصادر عن مكتبه، وهو نفسه الرجل الذي أصدر قبل أشهر قليلة بيانات وتصريحات ينتقد فيها المواقف المصرية على حساب التركية، وهذا يشير إلى فتح صفحة جديدة مع الوزير الساعي إلى الظهور بصورة الواقف على مسافة واحدة بين القاهرة وأنقرة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا