لا يختلف اثنان على واقع تماهي الحزبَين الديموقراطي والجمهوري في مواقفهما إزاء إسرائيل. مواقف، وإن تغيَّرت في الشكل بتَعاقُب الرؤساء، تظلّ موجّهة في اتّجاه حماية أهمّ تحالف أميركي في المنطقة. لكثيرٍ من الاعتبارات، ذهب الرئيس دونالد ترامب في دعم إسرائيل أبعد ممّا ذهب إليه أيّ رئيس أميركي سبقه إلى البيت الأبيض. متحرّراً من قيود كبّلت أيادي أسلافه، مهَّد الطريق ــــ عن قصدٍ أو مِن دونه ــــ لخليفته المحتمل، جو بايدن، الذي لن يضطرّ إلى حمل وزر قرارات لم يتّخذها هو، لكنه، في الوقت ذاته، لن يعارضها، وليس الاعتراف بالقدس عاصمةً للكيان ونقل السفارة الأميركية إليها، إلّا أسطع مثالٍ في هذا الإطار. كانت تلك أول إرهاصات سياسة ترامب في المنطقة، ومقدّمةً لخطّة ستتكشّف تباعاً، بدءاً من شقها الاقتصادي الذي أعلن عنه من البحرين منتصف العام الماضي، وليس انتهاءً بآخَر سياسي كُشفت بنوده بداية العام الجاري، وصولاً إلى بدء حفلة تطبيع افتتحتها الإمارات بمباركة سعودية، قبل أن تلتحق بها البحرين على عجل. لتلك الغاية، يشهد البيت الأبيض، اليوم، احتفالاً يُتوِّج هذا المسار، بعدما نجحت إدارة ترامب في خلق الشروط اللازمة لإمرار «اتفاقات أبراهام» في الوقت والشكل المناسبَين لحساباتها الانتخابية.

يمكن الرئيسَ الأميركي الادّعاءُ بأنه حقّق «إنجازاً» هو الأحوج إليه في ظلّ تراجع المؤشرات التي تصبّ في احتمال إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية، لكنه لم يكن وحيداً في ذلك؛ إذ إن هناك ما يشير إلى إمكانية أن يكون لجو بايدن - على افتراض أنه الرئيس القادم - علاقة أيضاً بهذا الاتفاق، لجهة الموقف المطروح من خطّة الضمّ (إرجاؤها عملياً من دون المطالبة بالتخلّي عنها في انتظار ما ستؤول إليه انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر)، التي يعارضها المرشّح الديموقراطي. الإمارات، كما إسرائيل، لا بدّ أنهما قرأتا استطلاعات الرأي في أميركا، وأدركتا أنها باتت ترجّح كفّة بايدن، بل إن هناك احتمالاً بأن يستعيد الديموقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، الناقم بدوره على الرياض ومعها أبو ظبي على خلفية حرب اليمن ومقتل جمال خاشقجي. وإذا قرّر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، التحرّك لضمّ أجزاء من الضفة الغربية في الأسابيع المقبلة، فستبدأ حكومته علاقتها مع إدارة ديموقراطية جديدة (مُحتملة) بدايةً سيئة، حتى وإن كانت مواقف بايدن تبدو مستساغة بالنسبة إلى إسرائيل في ما يخصّ القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي. يرى معهد «بروكنغز» أن «اتفاقات أبراهام» ساعدت نتنياهو في تبرير تعليق خطّة الضمّ أمام أنصاره مِن اليمين المتطرّف، على رغم أنه كان يتحرّك بالفعل في هذا الاتجاه على أيّ حال، ويرجع ذلك إلى احتمال فوز الديموقراطيين في الانتخابات المرتقبة، وليس لأن الإمارات أو البحرين وضعتا شروطاً من أجل تطبيع العلاقات. مع ذلك، تبدو أسهم أبو ظبي والمنامة مرتفعة لدى الإدارة الأميركية، فهما ساعدتا البيت الأبيض في تحقيق نجاح ملموس في السياسة الخارجية في الأشهر الأخيرة مِن الحملة الانتخابية، وخصوصاً في ظلّ حاجة ترامب إلى تعويمٍ يمكن توظيفه لوقف تقدُّم منافسه بايدن.

تدرك إسرائيل كما الإمارات أن استطلاعات الرأي باتت ترجّح كفّة جو بايدن في الانتخابات الرئاسيّة


يُحكى عن هذا الأخير أنه روى القصّة نفسها كلّما احتاج إلى التأكيد على التزامه بأمن إسرائيل؛ كان ذلك في خلال الانتخابات التمهيدية للديموقراطيين في عام 2008، أثناء ترشُّحه ضدّ أوباما، ثمّ في الانتخابات العامة حين كان يتنافس إلى جانبه. تبدأ القصة بأن بايدن عرف «كلّ رئيس وزراء إسرائيلي منذ غولدا مئير»، قبل أن يتحدّث عن لقائهما في عام 1973، عندما أخبرته الأخيرة أن لدى إسرائيل «سلاحاً سريّاً». وحين ظنّ أنه عرف «سرّاً»، قالت: «سلاحنا السرّي، أيها السيناتور، هو أنه ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه». وفي آخر مرّة روى فيها هذه القصة، في نيسان/ أبريل 2015، بدأ كلمته بالتعريف عن نفسه: «اسمي جو بايدن، والجميع يعرف أنّني أحبّ إسرائيل». رغم ذلك، يثير احتمال فوز بايدن قلقاً لدى الإسرائيليين، سببه أن لِجو عيبَين: الأول أنه ليس ترامب، والثاني أنه ديموقراطي. لكن بعض الخبراء يرون أن فوزه سيكون موضع ترحيب من المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. إذ يمتدّ سجلّ مواقفه إلى ما قبل بدء التوترات في سنوات إدارة أوباما؛ فهو أيّد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قبل عقدين من إقدام ترامب على ذلك، كما أيّد مشروع قانون أصدره مجلس الشيوخ عام 1995 يقضي بإقامة سفارة أميركية في القدس بحلول عام 1999، فيما تؤكّد حملته أنه في حال انتخابه رئيساً، لن يعيد إلى تل أبيب السفارة التي نقلها ترامب إلى القدس، لكنه سيعيد فتح قنصلية في القدس الشرقية «للتواصل مع الفلسطينيين».
من أجل ذلك كلّه، تتجاوز العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، مَن يجلس على كرسيّ الرئاسة. وإن كان ترامب قد ذهب بعيداً جداً في دعم إسرائيل، لإرضاء قاعدة ناخبيه مِن المسيحيين الإنجيليين الذين يعتبرون الهيمنة الإسرائيلية على الأرض المقدسة مسألة رعاية إلهية، إلا أن بايدن لن يُقدم على أيّ خطوةٍ مِن شأنها أن تزعج حليفة بلاده.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا