عمّان | في الصورة العامّة، يبدو الأردن كأنه منعزل عمّا حوله، ومنشغل بالملف الصحّي وتبعاته الاقتصادية، ولا سيما في ظلّ ازدياد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجدّ مع بدء العام الدراسي الجديد، ومحاولات تحريك عجلة الاقتصاد الذي من الواضح أنه دخل مرحلة الانكماش، وفق وصف وتوقع وزير المالية محمد العسعس (شغل منصب المستشار الاقتصادي للملك عبد الله الثاني). على الصعيد الخارجي، وتحديداً إزاء اتفاقات الإمارات والبحرين مع إسرائيل برعاية أميركية، تُبقي المملكة في مواقفها على نوع من «التوازن»، بما يطرح تساؤلات ملحّة عن طبيعة ما يجري داخل دوائر صنع القرار، سواء في القصر، أم الأجهزة الأمنية التي تقود الدولة العميقة، أم المؤسسة العسكرية التي تحظى بإجماع داخلي عليها كـ»صمام أمان» وسط إقليم ملتهب.

وفي خضمّ التطوّرات المتسارعة في المنطقة، وما قد تُولّده من دور جديد لعمّان ربّما تُجبَر عليه الأخيرة على حساب ملفات سيادية أبرزها القدس، يعود ملف «خدمة العلم» إلى الواجهة، بصورة جديدة هي «الالتحاق بالتدريب العسكري»، بعدما توقف العمل به كلّياً منذ العام 1992. لم يخرج النقاش بشأن الخدمة يوماً عن ارتباطها أولاً بحاجة المؤسسة العسكرية إلى كوادر مؤهّلين، وثانياً بملف البطالة عبر تحويل المتعطّلين عن العمل إلى مسار تدريبي، وإن كانت هاتان النقطتان السبب في إيقافه سابقاً، لاكتفاء الجيش وقلّة البطالة مقابل النسب العالية حالياً (23% في الربع الثاني من العام الجاري مع توقّع بزيادتها)، فإن النقاش يعود وسط توترات إقليمية تُحتّم على الأردن تدعيم جبهته الداخلية، عبر المؤسسة العسكرية أولاً.

تتفادى الطريقة التي طُرحت بها الخدمة فتح باب التجنيد العلني والاستثنائي


يتوازى هذا القرار الصادر قبل أيام مع افتقار الحكومة الحالية إلى ثقة الشارع، خاصة أن تعاطيها إزاء ملف «كورونا» جعل أيّ قرار منها محلّ تشكيك. كما أن المأزق الاقتصادي، المتّصل بالوضع السياسي والضغوط على عمّان خليجياً وأميركياً، أعاد فتح ملف «خدمة العلم» الإلزامية برؤية جديدة تستهدف الشباب من عمر 25 إلى 29 عاماً، على أن تكون مدّة الخدمة 12 شهراً. كذلك، ثمّة شروط عديدة حصرت الفئة التي تنطبق عليها الخدمة، ومنها أن يكون الشخص من دون عمل لعام قبل استدعائه، وألّا يكون شريكاً في شركة مسجّلة أو مالكاً لمؤسّسة فردية مسجّلة لدى الجهات المختصّة خلال السنة الأخيرة التي تسبق تاريخ الاستدعاء، فضلاً عن ألّا يكون مقيماً خارج المملكة، وأن يكون لائقاً صحياً، وألّا يكون الابن الوحيد (الذكر) أو طالباً منتظماً على مقاعد الدراسة في المدارس الثانوية أو المعاهد والكليات أو الجامعات، أو ربّاً لأسرة قبل استدعائه.
بالنظر في هذه الشروط، ومع تولّي القوات المسلحة ووزارة العمل الإشراف على الموضوع، تُثار علامات استفهام حول التدريب العسكري لثلاثة أشهر فقط، ثمّ الالتحاق بمساق تدريبي باقي المدة مع راتب رمزي قدره نحو 140دولاراً أميركياً شهرياً. في الشكل، هي خطوة لتقليل البطالة وتعزيز الانتماء الوطني، لكنها تترافق مع ظرف حسّاس في المنطقة. وهو ما يشي باحتمال كونها محاولة لتفادي فتح باب التجنيد العلني والاستثنائي في صفوف الجيش، سواءً لحاجة داخلية أم لبحث عمّان عن تحسين وضعها بتقديم خدمات أكبر، ربّما تكون في الجانب الأمني. والجدير ذكره أن الملف الأمني مثّل أحد محاور زيارة الملك عبد الله المفاجئة والقصيرة قبل نحو أسبوع للعاصمة الفرنسية باريس، والتي كانت الثانية له منذ جائحة «كورونا»، بعد أولى إلى الإمارات سبقت إعلان اتفاق التطبيع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا