«بعد نشري المقال بيوم واحد، توجّهْتُ إلى الجنائية لأشتكي بسبب تناولي من قِبَل إياد خليل، مدير مشروع سمريان، التابع لرجل الأعمال مازن حماد. كان حطّ منشور ضدّي على الفيس متهمني بالفساد وقبض رشوة، لهيك توجهت لفرع الأمن الجنائي لتقديم دعوى بحقه بالتشهير. وأنا موجود جوّا، دخل المحامي وكيل مازن حماد (رجل أعمال - طرطوس)، وتمّ توقيفي لأنهم مدّعيين عليّ كمان»، هذا ما قاله الصحافي في جريدة «الوحدة» السورية كنان وقاف لـ«الأخبار» عن ما حدث له أخيراً، بعد نشره تحقيقاً استقصائياً في الأول من أيلول/ سبتمبر الجاري، بعنوان «الوحدة تفتح ملف كهرباء طرطوس... محطات كهروضوئية، فساد موصوف واختراع اسمه الكهرباء»، تناول فيه ملفات وزارة الكهرباء وتقصيرها. وكان وقاف نشر أيضاً في وقت سابق تحقيقاً صحافياً عن المشاريع الكهروضوئية المستجدّة، متّهماً رجل الأعمال مازن حماد وسيّدة تدعى لطيفة وشريكتها بالسرقة عن طريق قبض مبالغ مضاعفة عن الاستحقاق.

بعد يومين من التحقيق الأخير، أي في الثالث من الجاري، تمّ توقيف كنان. إثر ذلك، اندلعت موجة تضامنيةٌ معه، وتصاعدت لتلفت الانتباه الرسمي إلى قضيّته. لكن، ما بدا مستغرباً هو أن صحيفته وقيادة شرطة محافظة طرطوس أصدرا بياناً يدّعي أن الصحافي «تمّ توقيفه بسبب قيادته لسيارة مهرّبة وتخلّفه عن أداء الخدمة العسكرية»، ليردّ أهله بنشر صورة دفتر الخدمة الخاصّ بابنهم، موضحين أن كنان وحيد ومعفى من الخدمة، ما دفع قائد شرطة طرطوس في اليوم التالي إلى تسجيل اعتذار علنيّ من وقاف، وكذلك فعلت جريدته التي «اعتذرت تحت ضغط من وزارة الإعلام» بحسبه. وحاولت الصحيفة تبرير ما اتّهمت به موظّفها بأنه «نجم عن خطأ مردّه تشابه الأسماء بين موقوف اسمه خليل وقاف والصحافي كنان وقاف»!
أُطلق سراح كنان بعد يومين على توقيفه، وذلك تحت ضغط الموجة التضامنية معه. يُخلي وقاف، في حديثه إلى «الأخبار»، الصحيفة التي يعمل فيها من المسؤولية عن الخطأ الوارد في اتّهامه، مُحمّلاً المسؤولية كاملةً لقيادة الشرطة، قائلاً: «أحتفظُ بحقي بالادّعاء على قائد شرطة طرطوس بسبب الاتهامات المشينة والمعيبة التي وَجّهها لي (...) سألاحق الموضوع ولن أتنازل عن حقي، وكذلك بالنسبة إلى المدير التنفيذي للمشروع بسبب تشهيره بي». في المقابل، يعتبر رجل الأعمال، مازن حماد، في تصريح إلى «الأخبار» أنه «كان من حقي التوجّه إلى القضاء لأنني تَعرّضت للظلم والإساءة والتشهير»، وأن «ما نشره الصحافي حولي وحول ملف الطاقة الشمسية مغلوط، والمشكلة كانت أساساً في أنه شاركه على السوشال ميديا وشهّر بي وأساء إليّ عبر تعليقاته»، مستدركاً بأنه «أسقط حقه الشخصي من دون التعرّض لأيّ ضغوط». ويرى حماد أن وقاف «استغلّ الظرف الحرِج لانتخابات غرفة تجارة وصناعة طرطوس مدفوعاً من القائمة المنافسة، وحاول تهديدي وابتزازي». وهو ما يرفضه كنان، معتبراً أن «حماد لم يُسقط حقّه، لقد اضطر لذلك تحت الضغط وليس سماحةً كما يدّعي»، مضيفاً: «إذا استطاع أن يثبت أنني هدّدته أو ابتززتُه فلْيتقدّم بالبيّنة وأنا سأذهب وأسلّم نفسي للقضاء».

كان يُؤخَذ على «اتحاد الصحفيين» نأيه بنفسه عن مشاكل أهل هذه المهنة


وكان وزير الإعلام، عماد سارة، تَدخّل إثر تصاعد موجة التضامن مع وقاف لدى وزارتَي الداخلية والعدل، لإطلاق سراحه فوراً، وهو ما أشار إليه سارة قبيل إطلاق سراح كنان بساعات. ويقول وزير الإعلام في حديث إلى «الأخبار» إنّ «من واجبي مباشرة معرفة قضية أيّ موظّف، وصلَنا في البداية أن توقيف الصحافي كان لأسباب غير صحافية، لأنه في حال كان العمل جناية فإن الوزارة لا تتدخّل، لكن من خلال المتابعة لاحقاً عرفنا أن التوقيف كان بسبب مادة إعلامية، فوراً تواصلنا مع وزير الداخلية والعدل للتنسيق». ويشير سارة إلى أن «الخطأ وقع بسبب التعامل بالقانون العام من دون الانتباه لوجود قانون خاص هو قانون الإعلام»، موضحاً أن «قانون الإعلام الخاص أقوى من القانون العام إن وُجد، هنا لم يتمّ إخبار الوزارة ولا اتحاد الصحافيين، لذلك قمنا بإلحاح مُشترَك نحن واتحاد الصحافيين لإطلاق سراح كنان وقاف». ويؤكد «رفض توقيف أيّ إعلامي إطلاقاً، فالقانون يسمح للجهة الثانية بأن تنشر بنفس المساحة والمكان الذي نشر فيه الصحافي، أي أن القانون واضح، ولا يجوز توقيف الصحافي نتيجة مقال كتبه».
وبحسب القانون الخاص للإعلام، يُعاقَب الإعلامي إذا ما أخطأ عن طريق إدارته أو عن طريق الوزارة، وليس عن طريق التوقيف. إلا أنه في السنوات الماضية، كان يُؤخَذ على «اتحاد الصحفيين» نأيه بنفسه عن مشاكل أهل هذه المهنة، قبل أن تأتي الحادثة الأخيرة وتثبت فاعليته إذا ما تعاون مع وزارة الإعلام. والجدير ذكره، هنا، أن الاتحاد أصدر بياناً أكد فيه «عدم جواز توقيف أيّ صحفي بناءً على القانون رقم 108 لعام 2011».
وعلى رغم كلّ ما سلف، يبقى أن الصحافة السورية ليست بخير بعد. سبق أن تمّ إيقاف الكثير من الصحافيين نيابياً أو إدارياً، وحتى يصبح ما حصل لوقاف «قاعدة ثابتة»، لا يمكن اعتبار ما حدث إلّا استثناءً شاذاً عن قاعدة «الاستقواء» على الصحافيين وتجاوز القوانين التي تحميهم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا