أفرج أشخاص محسوبين على «فتح» عن الناشط السياسي، نزار بنات، بعدما سَلّم الأخير نفسه إثر ملاحقة دامت شهراً (راجع عدد الجمعة 24 تموز). على أن توقيفه أخيراً لم يكن إلّا حلقة في سلسلة اعتقالات بدأت عام 2012، يوم أعلن رئيس السلطة، محمود عباس، أنه «يتنازل عن صفد (للإسرائيليين)» (التي هي مسقط رأسه). آنذاك، لم يحتمل بنات، ابن مدينة الخليل، كلام عباس، فنزل إلى أحد الميادين التي سُمّيت باسم «أبو مازن» محاوِلاً إزالة اللافتة من هناك، ما تَسبّب في إشكال وعراك بالأيدي مع شبان في حركة «فتح»، ليتمّ اعتقاله لاحقاً. مذّاك، فتح بنات «حرباً» ضدّ السلطة، مستهدفاً رموزها بشخصية «أبو مازن» وأبنائه، ورؤساء الوزراء المتعاقبين، متّهماً إياهم بقضايا فساد. يصف نزار ما جرى له حديثاً بأنه «استكمال لحالة الملاحقة السياسية التي مررت بها منذ 2012». ويقول لـ«الأخبار» إنه هو، أو غيره من الناشطين، «عندما ننشر أيّ رأي سياسي، سواء مباشرة أو غير مباشرة، نتعرّض للملاحقة والاعتقال ومضايقات غير عادية». ويضيف: «غالباً نُعتقل بتهمة قدح المقامات العليا، أو ذمّ السلطة، أو إثارة النعرات... تهم لا يوجد لها أدوات قياس ولا عقوبات واضحة. هم يريدون تأديبنا بالتوقيف».

لكن، ماذا عن القضاء؟ يعتبر بنات أن «الجهاز السياسي يعتمد على جهاز قضائي مخترَق ومسيطَر عليه سلفاً بصورة كبيرة جداً، فيجيئون بالمتّهم ويسألونه سؤالين أو ثلاثة، ويأخذون إفادة ثم يقودونه إلى المحكمة وهكذا... يصير دور المحكمة تمديد الاعتقال بهدف العقاب لا استكمال التحقيق (علماً بأن أقوال المتهم هي غالباً منشورات معلَنة على صفحته الشخصية)». كذلك، يستشهد الناشط السياسي بالتظاهرة التي نَظّمها عدد من القضاة أمس احتجاجاً على قرارات رئيس مجلس القضاء الانتقالي «الذي راح يفصل القضاة على مزاجه»، ليقول إن «السلطة تحكم بقبضة حديدية عبر منظومة القضاء التي هي أصلاً غير واضحة». واللافت أن بنات اعتقل أكثر من مرّة على الخلفيات نفسها، وفي كل مرّة كان يُمدَّد اعتقاله لأسبوع أو اثنين أو شهر، ثم تُقرّر المحكمة الإفراج عنه وتبرئته من التهم.

نزار بنات: الهدف من اعتقالنا هو تأديبنا وإسكات صوتنا


ما يحدث مع نزار لم يستهدفه شخصياً، وإنما «إسكات أصوات المعارضين» بحسب ما يقول، لافتاً إلى أن أشخاص محسوبين على «فتح» أطلق قبل نحو أربع سنوات النار على النائب في المجلس التشريعي حسن خريش، واعتدى على عبد الستار قاسم (محلل وسياسي)، وغيرهما من المعارضين لسياسة السلطة، كما «اعتدى عليّ بالضرب وحاول اختطاف زوجتي وابنتي... لقد تَعرّضنا لعدد من المكائد بشكل ميليشيوي وعصبوي بهدف إسكاتنا. لكن لن نسكت». وعلى رغم أن نزار وناشطين آخرين لا ينتمون إلى أيّ تيار سياسي أو حزب، «استغلّت السلطة مسألة الانقسام لمصادرة أكبر قدر من حرياتنا وحقوقنا. في النهاية كوننا غير منتمين إلى أي حزب ساعدنا في أن نخوض معركتنا معهم بأقلّ قدر من العنف الذي كان يمكن أن يمارسوه لو كنّا من حماس مثلاً».
لمَ كل هذه الهجمة وبنات ليس سوى مدوّن وناشط؟ يعزو ذلك إلى أن الكثير من ملفات الفساد المالي والإداري التي يتحدث عنها «تثير السلطة لأنها مساس بشخص عباس وأولاده، لأنهم أكبر المتهمين بالفساد والتطبيع، وكثر حولهم وفي محيطهم مستفيدون من حالة الفساد والفوضى». ويروي أنه في المرّة الأخيرة استخدم أسلوباً مختلفاً، إذ لم يُسلّمهم نفسه مباشرة، فظلّوا يلاحقونه وقد كان متوارياً عن الأنظار ومنشغلاً في تأليب الرأي العام ضدّ السلطة في الضفة المحتلة وخارجها أيضاً، وصولاً إلى تكاتف العائلة واعتبارها أن «ما قد يحدث لابنها (نزار) هو مساس بالعائلة نفسها». وبعدما «تكاتف الناس حولي واتّسعت حملة التضامن، وخاصة في أعقاب انتشار فيديو هدّدت فيه النائب العام، سَلّمت نفسي، فاعتُقلت ثلاثة أيام إلى أن أطلق سراحي أخيراً بفضل حملة التضامن الواسعة».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا