لا تبدو العلاقات بين الرياض وإسلام أباد على ما يُرام. تَودُّد باكستان إلى السعودية واعتذارها إليها لم يفلحا في تطييب خاطر وليّ العهد، محمد بن سلمان، الذي تجاوز تهوّره حالة "الحَرَد" إلى التهديد بقطع المساعدات عن حليفة بلاده، بعدما استرسل وزير خارجيتها، شاه محمود قرشي، في انتقاده نأي المملكة بنفسها عن قضية كشمير، مُلوِّحاً بجمع قادة دول إسلامية خارج عباءة "منظمة التعاون الإسلامي" التي تهيمن عليها الرياض، لنصرة تلك القضية. وعلى رغم مساعي باكستان لتدارك "زلّات" الوزير، من طريق إيفاد رئيس أركانها، قمر جاويد باجوا، منتصف الشهر الماضي، إلى السعودية لاحتواء التوتّر المتصاعد، إلّا أن الضيف عاد خائباً، وسط تزايد المؤشرات إلى اعتزام الأمير - الذي رفض لقاء الجنرال - معاقبة الحليفة المتمرّدة.

قَبل عام، قرّرت حكومة ناريندا مودي الهندية إلغاء الوضع القانوني الخاص لإقليم جامو وكشمير ذي الغالبية المسلمة، وتفكيكه ليصبح مكوَّناً من إقليمَين اتحاديَّين منفصلَين إدارياً (وُضعا تحت وصاية العاصمة)، هما: "جامو وكشمير" و"لاداخ". منذ ذلك الحين، عبّرت باكستان، في غير مناسبة، عن إحباطها إزاء موقف "منظمة التعاون الإسلامي" مِن القضية، بعدما اكتفت المنظمة بالدعوة إلى تسوية النزاع استناداً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي. تَذمُّر إسلام أباد، معطوفاً على دعواتها الكثيرة إلى عقد اجتماع إسلامي، لم يأتِ بنتيجة، ما اضطرّها، على ما يبدو، إلى مخاطبة المملكة بنبرة لم تَألَفها الأخيرة من غير الغربيين. وفي الذكرى الأولى لإخضاع الإقليم المتنازَع عليه بين إسلام أباد ونيودلهي (5 آب/ أغسطس)، قرّر وزير الخارجية الباكستاني أن يشن هجوماً على المنظمة، منتقداً ما سمّاه "عدم اكتراثها" وتأجيلها الدائم لعقد اجتماع على مستوى وزراء خارجية الدول الأعضاء من أجل دعم الكشميريين، ولوّح بلجوء بلاده إلى البحث عن حلٍّ للقضية بعيداً مِن "التعاون الإسلامي".

تشهد العلاقات السعودية - الهندية نشاطاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة


في هذا الوقت، نشر الإعلام الباكستاني تقارير تحدّثت عن سداد إسلام أباد قرضاً للرياض بقيمة مليار دولار قبل حلول موعد استحقاقه، علماً بأن القرض المذكور جزء مِن حزمة إنقاذ أعلنت عنها المملكة في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2018، بقيمة 6.2 مليارات دولار (3 مليارات على شكل قروض، فضلاً عن تسهيلات ائتمانية نفطية بـ 3.2 مليارات دولار)، بعد وقتٍ قصير من زيارة رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، الأولى إلى السعودية. في الإطار نفسه، أوردت "رويترز"، نقلاً عن مسؤولين عسكريين، وجود مطالبات مِن قِبَل المملكة بسداد مليار دولار أخرى من القرض. وبحسب وسائل إعلام محلية، لم تتسلّم إسلام أباد شحنات الخام المتّفق عليها منذ أيار/ مايو الماضي، بعدما انتهت مدّة سريان الاتفاق، من دون تجديده مِن جانب الرياض. وعلى رغم صمت المملكة حيال كلّ ما يجري تداوله، نفى قرشي، الأسبوع الماضي، أن تكون الرياض قد طلبت من بلاده سداد القرض، أو أن تكون قرّرت تعليق الإمدادات النفطية. غير أن الوزير تحدّث بإسهاب عن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني، شي جين بينغ، لباكستان، باعتبارها تحتلّ "أهمية قصوى" بالنسبة إلى بلاده، ولا سيما بعد ورود أنباء تحدّثت عن تقديم بكين قرضاً إضافياً لإسلام أباد بقيمة مليار دولار لمساعدتها على تخطّي الآثار المترتّبة على تراجع الدور المحتمل للرياض. وذكّر الوزير بأن الممرّ الاقتصادي بين الصين وباكستان "سيمضي قدماً"، على رغم معارضة الهند التي تخشى السعودية المخاطرة بمصالحها التجارية معها من أجل دعم باكستان في مسألة مثل كشمير. فالروابط بين الرياض ونيودلهي تشهد نشاطاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، عزّزته جولة ابن سلمان الآسيوية التي شملت الهند في شباط/ فبراير من العام الماضي، والتي سعى في خلالها إلى توسيع التجارة غير النفطية بين البلدين، وزيادة الاستثمارات في هذا البلد الآسيوي إلى 100 مليار دولار في غضون عامين. وبعد أيام من قرار الهند إلغاء الوضع الخاص لكشمير، وقّع عملاق النفط السعودي، "أرامكو"، اتفاقاً مع نيودلهي بقيمة 15 مليار دولار. اتفاقٌ أثار غضب أوساط باكستانية كانت تنتظر موقفاً سعودياً مسانداً، وهو ما تجاهله بيان وزارة خارجية المملكة الذي دعا "طرفَي النزاع" إلى الحفاظ على السلام والاستقرار والعمل على التوصّل إلى تسوية سلمية وفقاً للقرارات الدولية.
ليست العلاقات بين الرياض وإسلام أباد بمنأى عن التجاذبات الإقليمية؛ ففي أواخر عام 2019، نجحت السعودية في ثني باكستان عن حضور القمّة الإسلامية المصغّرة في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وهو ما أكّده قرشي، أخيراً، حين قال إن بلاده اعتذرت عن عدم المشاركة بناءً على طلب المملكة. ولم تفلح الأخيرة في إحباط "قِمة كوالالمبور"، على رغم مقاطعتها إيّاها وتحذيرها عبر "منظمة التعاون الإسلامي"، التي عُقدت القِمة خارج عباءتها، من أن اجتماعات كهذه تعدُّ "إضعافاً للإسلام والمسلمين"، وسط مؤشّرات دلّلت على قلق الرياض إزاء تشكّل كتلة موازية، أو حتى بديلة، لمنظّمتها، يمكن أن تنجم عنها جبهة سياسية رادعة تقارع نفوذ المملكة في العالم الإسلامي. ولعلّ أكثر ما أثار الحساسية السعودية، حينها، كون الرئيسَين التركي رجب طيب إردوغان، والإيراني حسن روحاني، وأمير قطر تميم بن حمد، إلى جانب ممثلين عن حركة "حماس"، شكّلوا أبرز وجوه القمة. آنذاك، لفت الرئيس التركي إلى أن المملكة هدّدت بترحيل العمالة الباكستانية، وسحب ودائعها من المصرف المركزي الباكستاني، لدفع حليفتها إلى التراجع عن حضور القِمة. وبعد مضيّ شهرين على الواقعة، قام إردوغان بزيارة للعاصمة الباكستانية شهدت محادثات لتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري، وألقى في خلالها كلمة داخل الجمعية العامة للبرلمان، تعهّد فيها بالوقوف إلى جانب إسلام أباد في مواجهة "الضغوط السياسية" التي تتعرّض لها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا