القاهرة | سيُسجّل أيلول/سبتمبر 2020 علامة فارقة في تاريخ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بعد عام واحد من مرور حكم «الجنرال» بأضعف لحظاته، حين خرج إلى العلن المقاول الهارب إلى أوروبا، محمد علي، كاشفاً البذخ الشديد في تشييد القصور والاستراحات الرئاسية، ومثيراً بذلك ضجة كبيرة. هذه المرّة، اعتمد السيسي قرارات ستطال مؤيّديه قبل خصومه، وستغلق باب الحياة السياسية أمام الجميع، ليس قبل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في الربيع المقبل فقط، بل ربّما حتى الانتخابات الرئاسية المقرّرة في الربع الأخير من العام الجاري.

هذه المرة قرّر «الجنرال» الانتقام من الجميع، مؤيديه قبل خصومه(أي بي أيه )

الهدف الرئيسي «الظاهري» هو «مواجهة نفوذ رجال الأعمال والحصول على أكبر عائد مادي منهم للتعويض عن نقص موارد الدولة حالياً نتيجة أزمة كورونا»، كما تنقل مصادر قريبة من القصر. صحيح أنه بدأ الحصول على أموال من المواطنين العاديين عبر الرسوم وتطبيق غرامات البناء المخالف والتهديد والوعيد الشديدين أخيراً بإزالة العقارات التي لا يتصالح أصحابها مع الحكومة لتوفيق أوضاعهم وفق القانون، لكن استهداف رجال الأعمال يفتح على مرحلة مختلفة تماماً، إذ يسعى الرئيس إلى تحصيل مليارات الجنيهات من هؤلاء، سواء المؤيدون أم المعارضون، عبر طرق منها محاسبتهم على أسعار الأراضي بسعر اليوم، ومراجعة العقود التي تمّ إبرامها بينهم وبين الحكومات السابقة، وطريقة حصولهم على الأراضي، وكلّها قضايا ستجبر أصحاب المليارات على التصالح ودفع أموال للدولة.
تشوب ما يفعله السيسي مخالفات دستورية وقانونية واضحة، لكنه يواصل تنفيذ رغباته الخاصة من دون النظر في أي اعتبارات أخرى، وهو موقف عَكَسه تصرّفه في إقالة رئيس «هيئة الرقابة الإدارية»، شريف سيف الدين حسين، مع انتهاء مدّة تولّيه لتسيير الأعمال، وتعيين حسن عبد الشافي بدلاً منه قائماً بالأعمال لعام. الخلاف الرئيس بين السيسي وحسين يرتبط بوجهة نظر الأول الذي يشكو من التباطؤ في اتخاذ إجراءات بحق رجال أعمال حققوا من مشاريع سكنية مليارات الجنيهات، ما تسبّب في صدام مباشر بين الاثنين، خاصة أن غالبية رجال الأعمال الذين يرغب السيسي في ملاحقتهم تصالحوا مع الدولة في بعض القضايا خلال أوقات سابقة، ووفق اعتبارات قانونية يرغب الآن بدوره في محوها.
الحملة بدأت فعلياً بالقبض على رجل الأعمال صلاح دياب، وهو مالك صحيفة «المصري اليوم»، من جرّاء مخالفات مالية، على رغم تصالحه في إحدى القضايا قبل ذلك. وهذه المرّة، المطلوب من دياب، المعروف بمواقفه المناهضة للنظام، تسديد عشرات الملايين عن وقائع أخرى، وإلا فسيبقى في السجن مدى الحياة مع مصادرة ممتلكاته. وأمس، قررت النيابة توجيه اتهامات إليه شملت التهرّب من سداد 11 مليار جنيه لخزينة الدولة، وهي مبالغ متراكمة نتيجة الطريقة الجديدة التي طلب السيسي محاسبة رجال الأعمال بها، أي حساب معدلات التضخم وأصل المبلغ والفوائد وغيرها من الرسوم، بما يضمن تحصيل أكبر مبالغ ممكنة خلال أقل مدة.
تكشف مصادر أن من بين رجال الأعمال المرتقب ملاحقتهم أيضاً الملياردير الشهير نجيب ساويرس، وحسن راتب صاحب المشاريع الكثيرة في سيناء والمؤيد للسيسي، وغيرهما من الشخصيات التي تُتهم بالتربّح من أموال الدولة والتهرّب من سداد الضرائب وضريبة القيمة المضافة في مشاريعهم. كذلك، ستشمل الأموال الداخلة إلى خزينة الدولة أموال شخصيات من رموز نظام الرئيس الراحل، محمد حسني مبارك، ومنهم الفريق أحمد شفيق الذي ستعاد محاكمته في قضايا «فساد المطار» الشهر الجاري، بعد خمس سنوات بقيت فيها القضية محفوظة في الأدراج، فيما يربط كثيرون بين لقاء شفيق ودياب قبل أيام وغضبهما من السيسي، وبين ملاحقتهما مبكراً. كما ستُطلب أموال من شخصيات عديدة تحت عنوان التصالح مع الدولة بموجب القوانين الجديدة التي صدّق عليها البرلمان ودخلت حيّز التنفيذ، وسط تعليمات رئاسية مباشرة بمراجعة حسابات رجال الأعمال في البنوك وحركة أموالهم إلى الخارج لتحديد المبالغ التي يمكن الحصول عليها منهم خلال المدّة المقبلة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا