وُلدت الحكومة السورية الجديدة برئاسة عضو «القيادة القطرية في حزب البعث»، المهندس حسين عرنوس. لم تخالف التشكيلة التوقعات لناحية تغيير الفريق الاقتصادي والخدمي، إلا أن اللافت فيها كان إعفاء وزير التربية، عماد العزب، الذي تَصدّر اسمه تعليقات السوريين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بعد دقائق فقط من إصدار مرسوم تشكيل الحكومة، حيث طُرحت علامات استفهام كثيرة حول سبب تلك الخطوة. ولعلّ هذه هي المرة الأولى التي يستشعر فيها السوريون الحزن لإعفاء وزير من منصبه منذ حكومة محمود الزعبي (1987). وفي مقابل السخط على إخراج العزب من المشهد، وُجّهت انتقادات إلى الوزير الجديد، معاون العزب السابق، دارم طباع، على خلفية تعيين متخصّص في الطبّ البيطري في منصب وزير التربية.

في الشارع، لم تخالف الانطباعات في شأن التشكيلة الحكومية ما حملته مواقع التواصل الاجتماعي. إذ يبدو أن الاسم الوحيد الذي عَلِق في الذاكرة من الحكومة السابقة هو اسم الوزير العزب، إلى حدّ أن الناس ينسون - لدى استطلاع آرائهم - وباء «كورونا» مثلاً، والوضع المعيشي السيّئ ولهيب الأسعار، ويكتفون بالتعليق على إعفاء وزير التربية، الذي رأوا في رحيله «خسارة للمجتمع وللوزارة ولأولادهم ولهم أيضاً». على أن صحافيين ونشطاء رأوا أن «المشكلة ليست في الأشخاص الذين يتمّ توزيرهم، بل في آلية التشكيل التي لم تتغيّر على مدى عقود، وتقوم على اعتبارات مختلفة حزبية ومناطقية وعشائرية»، على حدّ تعبير الصحافي هيثم حسن، الذي اعتبر أن «اهتمام السوريين لا يرتبط بأخبار التشكيلات الوزارية المتعاقبة التي لا تختلف عن بعضها إلا بالأسماء فقط، لكن اهتمام الشارع بالتشكيلات الجديدة يعكس تعطّش الجمهور للتغيير، أيّ تغيير وبأيّ مستوى، في كلّ مرّة يأمل السوريون تغييراً حقيقياً لكنه لا يأتي، ونلاحظ أن حالة الإحباط هي التي تسود بعد كلّ استحقاق. كان الأمر كذلك مع انتخابات مجلس الشعب، وحتى مع تشكيلات المحافظين والتعديلات الوزارية الجزئية».

تُطرح علامات استفهام كثيرة حول سبب إخراج عماد العزب من الحكومة


وتتألف حكومة عرنوس من 29 وزيراً، بينهم 15 وزيراً كانوا في حكومة سلفه عماد خميس. أما الوزراء الجدد فأغلبهم مهندسون من «حزب البعث»، إلى جانب آخرين من أحزاب «الجبهة الوطنية التقدّمية». على أن شاغلي الوزارات السيادية (الدفاع والداخلية والخارجية) ظلّوا كما هم، وأقدمهم - وأقدم وزراء الحكومة أيضاً - وزير الخارجية، وليد المعلم، الذي يشغل منصبه منذ عام 2005. ومن بعده يأتي وزير الأوقاف، محمد عبد الستار السيد، الذي يشغل منصبه منذ عام 2007. وعلى مستوى الوجوه النسائية، تحوّلت سلوى عبد الله، التي تمثل حزب «الاتحاد الاشتراكي العربي»، من وزيرة دولة في الحكومة السابقة إلى وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الحالية خَلَفاً لريما القادري. كذلك، بدت لافتة عودة لبانة مشوح إلى وزارة الثقافة، بعدما تَولّت هذا المنصب في حكومة رياض حجاب (2012- 2014)، ولم تدم فيه طويلاً قبل إقالتها.
وبالنظر إلى تاريخ اختيار رؤساء الحكومات والوزراء في سوريا، يمكن القول إنه لا علاقة للكفاءة بذلك، وخصوصاً أن دور رئيس الحكومة تحديداً يبدو ملتبساً في ظلّ غياب الفصل الفعلي بين السلطات. وإذ يُعدّ رئيس الجمهورية رئيس السلطة التنفيذية ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ويحق له إصدار مراسيم تشريعية حتى أثناء انعقاد مجلس الشعب، فإن دور رئيس الحكومة الفعلي هو تسيير استصدار القرارات من مجلس الوزراء، وليس صنعها. أما المعيار الوحيد في اختياره فهو، على ما يبدو إلى الآن، أن يكون عضو «القيادة القطرية في حزب البعث».
ويعرب مسؤول اقتصادي سابق، فَضّل عدم ذكر اسمه، في حديث إلى «الأخبار»، عن اعتقاده بأن «هذه الحكومة مؤقتة، وعملها لا يتجاوز تسيير الأعمال، لأن عمرها لا يتجاوز ثمانية أشهر إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية في حزيران 2021». ويعتبر أن «في الداخل السوري، ليس هناك من هو مستعدّ للتنازل من أجل الوصول إلى حلّ سياسي (...) وهذا التفكير لا يزال مستمراً في سوريا، ونحن مستمرون معه والله أعلم إلى متى». ويختم المسؤول السابق آسفاً: «ما زلنا نتعامل مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وكأننا مراقبون أجانب، لا خطط ولا برامج، أو حتى دعوة لمصالحة وطنية (...) نحن اليوم أمام حكومة جديدة وزراؤها الجدد ضحايا جدد للسياسة الجامدة التي اعتدنا عليها».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا