لم يحدث سابقاً أن خَطَب وزير خارجية أميركي في مؤتمر حزبي. تلك سابقة تُسجّل لمايك بومبيو الذي تَفرّد بعرضٍ استثنائي ذهب المحلّلون إلى ربطه بطموحات الوزير الرئاسية. الجزء الآنف هو جلّ ما أربك الحزب الديموقراطي الحريص على «بروتوكولات» الصوابية السياسية، ومن ورائه وسائل الإعلام الليبرالية المعادية لإدارة دونالد ترامب. الجزء الآخر من المشهد أُلحق بـ»معضلة» التداخل المصلحي بين الدبلوماسية والانتماء الحزبي. وإن لم يحمل الخطاب جديداً من حيث المضمون، فهو كثير الدلالات في الشكل: بومبيو خطيباً إنجيلياً مِن على سطح بناءٍ في القدس المحتلّة حيث أمكن رؤية أضواء المدينة القديمة ومقدّساتها على كتفيه. دلالاتٌ تتجاوز زحمة التطبيع والدعوة الأميركية إلى تعميم التجربة الإسرائيلية - الإماراتية، إلى تذكير الناخبين الإنجيليين بأن ما فعلته هذه الإدارة من إنجاز اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى المدينة، والكشف عن «صفقة القرن»، وتوازياً قيادة حملة التطبيع، إنما يستحقّ مدّ عمرها أربع سنوات إضافية.

راهن وزير الخارجية الأميركي، لدى مخاطبته مؤمني الحزب الجمهوري مِن القدس، على أن ما سيكسبه في السياسة سيُعوِّض خسارته الدبلوماسية. تحدّث في الليلة الثانية مِن مؤتمر الحزب الجمهوري، مُعدّداً فوائد سياسة «أميركا أولاً» على مستوى العالم، مثل اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وهزيمة تنظيم «داعش»... وصفقة التطبيع الإسرائيلية - الإماراتية. مستغلّاً المناسبة، تَوجّه إلى مناصري ترامب بالتعريف عن نفسه بصفته «زوج سوزان وأبا نيك»، من دون الإشارة إلى مهمّاته كوزير للخارجية. بعد ما يقرب من أربع دقائق، انتهى خطابه المُسجّل بالإشارة إلى خدمته العسكرية: «كجنديّ، رأيت بأمّ عيني أشخاصاً متعطّشين للحرية... لكن، الطريقة الأفضل لضمان حرياتنا تكون من طريق انتخاب قادة لا يتحدّثون فقط، بل يفعلون أيضاً».
يفيد المؤرخ الرئاسي، مايكل بيشلوس، بأن هذه هي المرّة الأولى، منذ 75 عاماً، التي يخاطب فيها وزير خارجية في المنصب، مؤتمراً وطنياً لتسمية مرشّح حزبي للرئاسة. وفي تقويمه لطموحات بومبيو السياسية، يقول بيشلوس: «إذا كان لديه أيّ اهتمام بالترشّح للرئاسة في المستقبل، فهذه طريقة ليدخل في السياسة الرئاسية، ولكن على حساب كسر تقليد مهمّ في التاريخ الأميركي». بالنسبة إلى بومبيو، وهو مسيحي إنجيليّ، فإن خطاباً من القدس يخدم هدفين: التشديد على حماية الحليف الأهمّ في المنطقة أولاً، وثانياً جذب الإنجيليين البيض، الذين يشكّلون قاعدة ناخبي أيّ رئيس جمهوريّ. في هذا السياق، تشير الباحثة في معهد «بروكنغز»، تمارا كوفمان ويتس، إلى أن خطاب وزير الخارجية من القدس «موجّه إلى إنجيليّي الحزب الجمهوري... نحن نعلم أن لديه طموحات سياسية أوسع. هل هذا لترامب؟ أم هو لبومبيو؟ ربّما لكليهما». وفي الإطار نفسه، يعتقد الرئيس التنفيذي لمؤسسة «الدفاع عن الديموقراطيات»، مارك دوبويتز: أن الوزير «مثل أي سياسيّ طموح يضع المستقبل في الاعتبار. من المؤكّد أن ضمان التصويت الإنجيلي لعام 2024 أمر بالغ الأهمية لنجاح أيّ مرشّح جمهوري. لا أستطيع أن أتخيّل أن تلك الفكرة غابت عن عقله».
قبل أن يوجّه كلمته، انهالت الانتقادات على بومبيو، باعتباره خالف بروتوكولاً متعارفاً عليه منذ عقود، يمنعه من استخدام منصب يشغله بالتعيين (من قِبَل مجلس الشيوخ)، لأغراضٍ حزبية. استناداً إلى ذلك، أعلنت لجنة فرعية في مجلس النواب الأميركي، الذي يهيمن عليه الحزب الديموقراطي، إطلاق تحقيق في ما إذا كان ظهور الوزير يخالف القانون والقواعد الاتحادية. وبحسب بيان لرئيس اللجنة الفرعية للرقابة التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، واكين كاسترو، فإن إدارة ترامب ووزير الخارجية بيّنا «ازدراءً صارخاً ليس للأخلاقيات الأساسية فحسب، ولكن أيضاً رغبة سافرة في انتهاك القانون الاتحادي لتحقيق مكاسب سياسية». وفي رسالة وجّهها إلى نائب وزير الخارجية، ستيفن بيغن، قال كاسترو إن ظهور بومبيو كان «شديد الغرابة وغير مسبوق على الأرجح... وربّما غير قانوني أيضاً».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا