القاهرة | على نحو مؤقت، دخلت الأزمة الليبية هدنة عسكرية حتى إشعار آخر بعد قرار حكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج وقف النار من جانبها، في خطوة جاءت بالتنسيق مع رئيس البرلمان عقيلة صالح، مقابل صمت كامل من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، ووسط ترقب لما ستسفر عنه المبادرة، بعدما أعلن «المجلس الرئاسي» في طرابلس خريطة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال آذار/مارس المقبل. ورغم أن الرؤية المصرية تقول باستحالة إجراء الانتخابات في هذا التوقيت من جراء الخلافات على القاعدة الدستورية التي يمكن أن تجرى على أساسها الانتخابات، وهو ما يتطابق مع مواقف الإمارات والسعودية، ثمة تحركات بدأت فور إعلان الهدنة، وذلك لاستغلال الفرصة وعقد اجتماعات سياسية هدفها مناقشة المقترح ومحاولة إجراء انتخابات.

على عكس الموقف المصري العلني الرافض للتعاون مع السراج، أبدت السلطات ترحيباً بإعادة استقبال الرجل في القاهرة قريباً، على أن يؤكد له البدء سريعاً في المفاوضات من أجل حل يرضي الجميع. وبينما يرى الأطراف المعنيون بالأزمة صعوبة قبول قوات حفتر إخلاء سرت والجفرة من السلاح كلياً، فإن مقترح تشكيل جهاز شرطي من «الوفاق» و«الوطني» لمتابعة الترتيبات الأمنية في المنطقة الغنية بالنفط حتى إجراء الانتخابات يحظى بمناقشة مستفيضة حالياً، خاصة مع صالح الذي يعدّ حلقة الوصل بين حفتر والسراج الآن، إذ يدعم البرلمان الليبي تحركات «الوفاق»، مع أن بعض الأطراف يتخوف من أن قرارها وقف النار لعبة سياسية لإظهار رفض حفتر العملية السياسية، فضلاً عن أن قيادات في «المجلس الرئاسي» ستسعى إلى الفوز بمناصب مهمة في الانتخابات المقبلة في حال إجرائها. وثمة إمكانية كبيرة لعودة العمليات العسكرية بصورة أكثر حدة في أي وقت، إذا أخفقت المفاوضات، خاصة مع استغلال الوقت لجلب المزيد من المقاتلين والأسلحة التركية عبر المتوسط.
لكن هذه الرؤية تتعارض مع المطلب الأميركي بتهدئة الأوضاع، والوساطة التي قامت عليها واشنطن في الأيام الماضية، سواء مع المسؤولين الليبيين أم العواصم المؤثرة في الأزمة، خاصة القاهرة وأنقرة والدوحة وأبو ظبي، وخلصت إلى استبعاد مؤقت لمقترح مجيء قوات أجنبية إلى منطقة الهلال النفطي خلال الأسابيع المقبلة، خاصة أن بيان «المجلس الرئاسي» سيجري الحوار السياسي بناءً عليه. وبالتوازي، يتبادل الأطراف المعنيون اتصالات مكثفة من أجل الوصول إلى صيغة اتفاق مع عرض مصري لاستضافة المفاوضات، مقابل اتجاه يدعو إلى إجرائها في عاصمة أوروبية من أجل استكمال مخرجات «مؤتمر برلين»، علماً بأن الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لن تكون مؤثرة في آلية الحوار المزمع إعلانها خلال الساعات المقبلة.
خلال التفاوض، هناك قضايا بمكانة قنابل ملغومة على طاولة الحوار، في مقدمتها وضع الميليشيات المسلحة، ووضع المرتزقة الذين وصلوا من سوريا عبر تركيا، إضافة إلى المتورطين في جرائم القتل طوال السنوات الماضية، وهل سيسمح لهم بالعودة إلى الحياة السياسية، فضلاً عن دور «المجلس الرئاسي» والجيش في تنظيم العملية الانتخابية المقبلة وقواعد بيانات الناخبين. لذلك، يسعى رئيس البرلمان حالياً إلى إقناع طرفي الصراع بالاجتماع سريعاً لمناقشة التفاصيل الأولية مع تهدئة الشارع وعودة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة والمدن المحيطة، مع وقف الاشتباكات والسماح بحرية التنقل بين المدن، في خطوات ستكون فارقة في بلد مزقته الحرب خلال السنوات التسع الماضية.
ومع رجحان جدية وقف النار، بدأت «المؤسسة الوطنية للنفط» إعادة العمل من أجل استئناف إنتاج النفط وتصديره مع تجميد الإيرادات لدى «مصرف ليبيا الخارجي» حتى التوصل إلى ترتيبات سياسية شاملة، وأيضاً إخلاء جميع المنشآت النفطية من القوات، وهو ما يتوقع أن يتم نهاية الأسبوع المقبل. ورغم الخلاف المصري ــ التركي في قضايا كثيرة، فإن القاهرة أبدت ترحيباً بالتنسيق مع أنقرة في الملف الليبي، وسط ترجيحات مصرية بأن تكون خطوة طرابلس محاولة لتهدئة الأزمة من جانب تركيا بسبب الصدام الراهن بينها وبين اليونان بشأن الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز في المتوسط، وهو اعتقاد يدفع المصريين نحو تسريع الحل السياسي وإجراء الانتخابات تحت إشراف أممي ورقابة دولية «تضمن وصول ممثلين حقيقيين عن الشعب إلى السلطة بغض النظر عن انتماءاتهم»، كما تقول مصادر مواكبة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا