أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على نحو مفاجىء، التوصّل إلى "اتفاق سلام" بين الكيان الإسرائيلي ودولة الإمارات العربية المتحدة، ستقام مراسمه الاحتفالية في البيت الأبيض خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وفي حين أن مصالح ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واضحة من وراء الاتفاق، إلا أنه يصعب تحديد المنافع التي تعود على ابن زايد.. فماذا وراء الأكمة؟

لا شك في أن الإعلان عن "الاختراق الدبلوماسي"، كما سمّاه البيان المشترك الذي صدر عن الأطراف الثلاثة، كان مفاجئاً في توقيته، لكن لا يمكن لأحد الادّعاء أنه كان مفاجئاً في مضمونه. فرئيس وزراء الكيان الإسرائيلي لم ينفكّ يردّد منذ سنوات أن ثمّة علاقات تربط بين كيانه وأكثر من عاصمة عربية. والعلاقات بين الكيان والإمارات العربية المتحدة تعود إلى العام 2008، على أقلّ تقدير. فإضافة إلى الزيارات العلنية التي قام بها أكثر من مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إلى الإمارات، هناك أيضاً الإعلان أخيراً عن 12 اتفاقية أمنية بين الجانبين، ناهيك عن الطائرات الإماراتية التي هبطت في مطار بن غوريون بحجّة مساعدة السلطة الفلسطينية على مواجهة جائحة كورونا، وهو الأمر الذي أنكرته السلطة، وقالت بوضوح إن هذه الطائرات مُوجّهة إلى الجانب الإسرائيلي، ناهيك عن الدور الذي لعبته الإمارات في تهويد القدس، عبر المساهمات المالية السخية التي دفعتها لصالح جمعيات استيطانية، وعبر الاحتيال على المالكين المقدسيين، وهو الملف الذي فضحته صحيفة "الأخبار" اللبنانية قبل نحو عامين. لكلّ هذه الأسباب والمعطيات، لا يمكن لأحد الادّعاء أنه تفاجأ من فحوى الإعلان ومضمونه.
من حيث المضمون، يُركّز الاتفاق على ثلاث نقاط أساسية، هي التعاون الأمني، وتوحيد الرؤية حول التهديدات المشتركة في المنطقة، والاستثمارات المالية الضخمة. وبهذا، فإن الإعلان يتجاوز ما سمّاه البيان المشترك "الاختراق الدبلوماسي التاريخي" بين دولتين، للتأسيس لحلف جديد بدأت معالمه ترتسم كقاعدة تصلح، بل وتفتح الباب، لالتحاق دول خليجية أخرى به، وهو ما جاء في نص البيان ذاته. وفي المضمون أيضاً، فإن البيان يعلن بشكل فاضح التخلّي عن مبادىء المبادرة العربية التي أُقرّت في بيروت في العام 2002، والتي تقوم على قاعدة "الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة في العام 1967، مقابل التطبيع الكامل"، بل وخلا من أيّ إشارة إلى "حلّ الدولتين". فالثمن الذي قَبِلت به الإمارات، بحسب البيان، والمشكوك فيه على أيّ حال، هو "تعليق إسرائيل إعلان السيادة على المناطق المحدّدة في رؤية الرئيس (ترامب) للسلام"، قبل أن يضيف عبارة تنسف هذا الإنجاز المدّعى، تنصّ على أنه "سيواصل الطرفان جهودهما في هذا الصدد للتوصّل إلى حلّ عادل وشامل ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما هو موضح في رؤية السلام، يمكن لجميع المسلمين الذين يأتون بسلام زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويجب أن تظلّ الأماكن المقدسة الأخرى في القدس مفتوحة للمصلين المسالمين من جميع الأديان". وهذا يعني إقراراً إماراتياً بالسيادة الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية في القدس، ناهيك عن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان. وعلى كلّ حال، لم يتأخر نتنياهو كثيراً قبل أن يعلن أن "تعليق إعلان السيادة" لا يُقصَد به التراجع عن سياسات الضمّ، بل مجرّد "التريّث" في ذلك. وهو بالمناسبة تحصيل حاصل، ليس بسبب جهود ابن زايد، بل بسبب الموقف الشعبي الفلسطيني الذي فرض على نتنياهو، ضمن أشياء أخرى، توازناً على الأرض، أرغمه على ابتلاع قراره بإعلان الضمّ بداية شهر تموز الفائت حتى إشعار آخر.

هل ثمة ما يحضّر داخل الإمارات يحتاج معه ابن زايد إلى رشوة ترامب، فسَدّد الثمن سلفاً؟


تبدو واضحة الفائدة التي تعود على الرئيس الأميركي من مضمون البيان وتوقيته. فترامب يسعى جاهداً لتعويم أسهمه الانتخابية بعد تراجع كبير، نتيجة سلسلة من الإخفاقات في السياسات الداخلية. ولئن كانت القاعدة التقليدية في الانتخابات الأميركية تقول إن الناخب الأمريكي تَهمّه السياسات الداخلية أكثر من الإنجازات الخارجية، وإن أصوات الأميركيين اليهود تصبّ في صالح الحزب الديمقراطي بنسبة كبيرة جداً، إلا أن ذلك لا ينفي أن ترامب يهدف من وراء هذا الإعلان إلى وقف التدهور الحاصل في شعبيته بين صفوف الناخبين الإنجيليين على أقلّ تقدير. وهؤلاء يشكّلون كتلة انتخابية متنامية داخل الولايات المتحدة، وتَهمّهم إسرائيل على نحو لا يقلّ عن السياسات المحلية، إن لم يكن أكبر.
كما تبدو واضحة المنافع التي يجنيها رئيس وزراء الكيان الصهيوني من وراء الاتفاق، وهو الذي كان يتبجّح دوماً بأنه يقيم علاقات جيدة جداً مع العديد من العواصم العربية. لا يخفي على أحد أن الإعلان عن التوصل إلى "اتفاق سلام" (وهو توصيف يثير السخرية بين دولتين لم تتحاربا يوماً ولا توجد بينهما حدود مشتركة) بين الإمارات والكيان الإسرائيلي سيخدم الأجندة الدعائية لنتنياهو، الذي سيسعى إلى ترجمة ذلك في تعزيز شعبيته المتراجعة إلى حدّ كبير، إضافة إلى تعزيز موقفه في مواجهة قضايا الفساد التي يحاكَم فيها. يحاول نتنياهو، جاهداً، تشكيل صورة القائد الذي أحدث اختراقاً في الحصار العربي في الوعي الصهيوني، والذي استطاع أن يحيّد العداء العربي تجاه الكيان ويُحوّله باتجاه إيران.
ومع كون المصالح والمنافع الشخصية لكلّ من ترامب ونتنياهو تبدو واضحة، إلا أن ذلك لا ينفي الأبعاد الاستراتيجية للإعلان. فهذا الاتفاق هو الأول من نوعه الذي يتمّ بين الكيان الإسرائيلي ودولة عربية غير متاخمة له، ولا تملك حدوداً مشتركة معه، وليست في حالة حرب معلنة ضدّه. بهذا المعنى، فإن الإعلان بذاته يؤشّر إلى الجهد الكبير الذي تبذله بعض الدول الخليجية لإحداث تغيّر نوعي واستراتيجي في العقد السياسي والوعي العربي، ليس على مستوى التنكّر لحقوق الشعب الفلسطيني وخيانة قضيته فحسب، بل أيضاً على مستوى الأمن القومي العربي، ومستقبل المنظومة العربية بكاملها. على رغم الإشكالات الكثيرة في علاقة الدول العربية بالقضية الفلسطينية، إلا أن هذه الأخيرة كانت تُشكّل المادة اللاصقة التي تبقي الوضع العربي متماسكاً على رغم عوراته الكثيرة، والتي كانت تبقي للأمة العربية هوية وكيانية تصنع لها مكاناً ومكانة بين الأمم. المشكلة التي ستواجهها الأنظمة العربية التي تسير في مسار التطبيع الكامل مع الكيان الإسرائيلي، على المستوى الجيواستراتيجي، ليس في اضطرارها إلى استخدام العنف والقهر لقمع المعارضين لهذه الاتفاقيات ولإسكات أصواتهم فحسب، بل في أن هذه الأنظمة ستفعل ذلك بالتخلّي عن ركيزتين من الركائز الأساسية لوجود الكتلة العربية واستمرارها، وهما فلسطين والإسلام. من دون دعم القضية الفلسطينية، تفقد الدول العربية مبرّر وجودها، ولا تستطيع تغطية عوراتها وإخفاقاتها المزمنة في تحقيق التنمية والنهوض. ومن دون الإسلام، تفقد هويتها ومبرّر وجودها. كان البعد الديني واضحاً في التسمية التي أطلقها ترامب على الإعلان: "اتفاق أبراهام"، نسبة إلى خليل الله إبراهيم عليه السلام، وهو ما يتماشى مع إعلان الإمارات إقامة "البيت الإبراهيمي" الذي استُخدم كغطاء لبناء كنيس يهودي، وتدشين "مجتمع يهودي" في الإمارات.
ولَئِن تَذرّع المُطبّعون بسلسلة التنازلات التي قَدّمتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ "أوسلو" وما قبلها وما بعدها، لإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، وإبرازها إلى العلن، فإن هذه الذريعة لا تكفي لتبرير تشويه الإسلام والتنكّر للمسجد الأقصى المبارك في فلسطين. إن مجرّد الإشارة إلى البعد الديني في الإعلان، من خلال التسمية ومن خلال ذكر اليهود والمسيحيين والمسلمين، إقرار بالبعد الديني للقضية الفلسطينية، وهذه مسألة لا يمكن للأنظمة المُطبّعة التغاضي عنها، أو القفز فوقها، وستكون بمنزلة التفجير الذي قد يطيح ما تبقى من مظاهر استقرار في المجتمعات العربية.
أيّاً يكن من أمر، ما ليس واضحاً هو المصلحة التي تعود على الإمارات، أو على ابن زايد، من وراء الإعلان عن الاتفاق. فلئن كان لترامب ولنتياهو مصالح مباشرة وغير مباشرة من وراء الإعلان، فما الذي يدفع بابن زايد إلى أن يكون حصان طروادة في تفكيك الحصون الخليجية؟ يصعب الحصول على إجابة لهذا السؤال داخل الإعلان ومن خلال تحليل مضمونه. فدولة الإمارات الغنية مالياً والمستقرّة نسبياً والتي تجمعها علاقات جيدة بالغرب لا تبدو بحاجة إلى هذه الاتفاقية، ومن الصعب العثور على مصالح ذات قيمة تعود عليها بالمنفعة.
القول بأن الإمارات تُمهّد الطريق أمام غيرها، السعودية تحديداً، للتوصّل إلى اتفاقية مماثلة، لا يجيب على هذا السؤال، بل ربما كان ذلك مفهوماً لو أن الإمارات تَبِعت السعودية ولم تسبقها في ذلك. وبما أن السياسة لا تعرف الخدمات المجانية، يبقى احتمال توظيف الفائدة والمنفعة داخلياً، وهي عادة عربية مستشرية. فهل ثمة ما يحضّر داخل الإمارات العربية المتحدة يحتاج معه ابن زايد إلى رشوة ترامب، فسَدّد الثمن سلفاً؟! إن صحّ ذلك، فقد يتمظهر المشهد خلال أسابيع قليلة، وقبل أن يغادر ترامب البيت الأبيض في حال خسارته في الانتخابات.

* كاتب فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا