الخرطوم | مع إتمام الحكومة الانتقالية في السودان عامها الأول، يبدو المشهد في البلاد قاتماً أكثر من أيّ وقت مضى، في ظلّ انعدام الاستقرار بشتّى وجوهه (السياسي والأمني والاقتصادي)، وظهور بؤر توتّر جديدة. هذه الأيام، تشهد ولاية البحر الأحمر، للمرة الثالثة منذ تولّي الحكومة الحالية زمام الأمور، اقتتالاً قبلياً في مدينة بورتسودان، عاصمة الولاية وموقع الميناء الرئيس في البلاد. واستمرّت، أمس، حوادث الاقتتال الدامية لليوم الثالث على التوالي، وراح ضحيّتها، وفق لجنة الأطباء المركزية في ولاية البحر الأحمر، 25 قتيلا و87 مصاباً. وفيما تناثرت الجثث على الطرقات، سُجّلت أعمال حرق وإطلاق للرصاص الحيّ من قِبَل متفلّتين، ما أدّى إلى انسحاب الشرطة من جميع أقسام مستشفى بوتسودان التعليمي، بعد عجز عناصرها عن توفير الحماية للطواقم الطبية والسيطرة على الوضع.

ويُحمّل أبناء المدينة، الأجهزة الأمنية في الولاية، مسؤولية تجدّد الصراع القبلي في بوتسودان، وتأجيج نار الفتنة هناك، بتراخيها المتعمّد، وتقاعسها عن استخدام القوة الكافية لنزع فتيل الأزمة، في وقت تغيب فيه الحكومة المركزية، وتتباطأ في اتّخاذ قرارات حاسمة. لكن محلّلين لا يستبعدون وجود أيادي خارجية ذات مصلحة في زعزعة الأمن في الولاية، في اشارة إلى دولة الامارات التي تضع عينها على الميناء الاستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر. وفيما كانت الأوضاع تتدهور بسرعة في المدينة الساحلية، لم يصدر عن رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، أيّ خطاب للتهدئة، كما لم يرسل مَن ينوب عنه للجلوس مع الأطراف المتنازعة، فيما اكتفى مكتبه بإصدار بيان بعد مرور أكثر من 72 ساعة على اندلاع الأزمة، تضمّن جملة قرارات في ما يتّصل بالأزمات السياسية والأمنية في ولايات الشرق، ومنها كسلا التي تشهد أزمة سياسية بعد رفض بعض المكوّنات القبلية فيها الوالي الجديد عليها. ونصّت القرارات على تكوين لجنة رباعية من مجلس الأمن والدفاع تتولّى معالجة الوضع في كسلا، فضلاً عن تعزيز الوجود الأمني في ولاية البحر الأحمر بإرسال قوات من الاحتياط المركزي، والتأمين على قرار والي الولاية فرض حظر التجوال فيها. وعلى إثر ذلك، وصلت إلى مدينة بورتسودان، أول من أمس، تعزيزات عسكرية مكوّنة من كتائب من القوات المسلحة بتوجيه من قيادتها، للسيطرة على الأوضاع في المدينة.

سبقت أحداث بورتسودان الأخيرة وقائع مماثلة في جنوب كردفان


وسبقت أحداثَ الشرق أحداثٌ مماثلة في الغرب، دارت رحاها في ولاية جنوب كردفان بين القوات المسلحة و»الحركة الشعبية» - جناح عبد العزيز الحلو، وراح ضحيّتَها عددٌ من المدنيين والعكسريين، على رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين. وبحسب المحلّل السياسي وأحد أبناء المنطقة، حسين كرشوم، الذي تحدّث إلى «الأخبار»، فإن اقتتالاً مسلّحاً وقع بين قبيلة من النوبة الذين يحتمون بـ»الحركة الشعبية» والبقارة المحتمين بالجيش، في منطقة خور الورل جنوب شرق مدينة الدلنج، خلّف العديد من القتلى والجرحى ومزّق النسيج الاجتماعي. وأشار كرشوم إلى أن عمليات النهب تُعدّ طبيعية بين قبائل النوبة والبقارة، لكن النزاع الأخير تَطوّر نتيجة قيام «الحركة الشعبية» بزراعة ألغام أرضية على خطّ سير قبائل البقارة المتّجه نحو المراعي في الشمال. وكالمعتاد، تبادل الطرفان الاتهامات، فيما بدا لافتاً اتهام «الحركة الشعبية»، «حزب الأمة القومي» بقيادة الصادق المهدي، بالتسبّب في الأزمة بتسليحه قبائل البقارة.
وبعيداً من الاتهامات، يرى مصدر عسكري، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الفتن التي تشهدها مناطق عدّة في البلاد مفتعلة، والقصد منها إفشال حكومة الثورة»، معتبراً أن «القادة العسكريين غير مدركين لمآلات الأمور، ومتأخّرون في الحسم، لأن كل همّهم النجاة من المحاسبة والمساءلة في ملف مجزرة فضّ الاعتصام». كما يرى أن «من مصلحة العسكر الموجودين في اعلى الهرم - المجلس السيادي - إفشال الحكومة، حتى يكون لديهم مسوّغ قانوني للانقضاض على الحكم واستلام السلطة بحجة منع البلاد من الانزلاق نحو الفوضى، فيتحوّلون من خانة المتَّهم إلى خانة المنقذ، وذلك بعد أن يفقد الشارع الثقة في الحكومة نتيجة ضعفها، وأكثر ما يضعف الحكومة هو الانفلات الأمني والأزمات الاقتصادية، إذ تؤدي جميعها إلى الفشل، وبالتالي يوفر العسكر لأنفسهم الحماية الكاملة». ويشير المصدر إلى أن «نجاح الثورة يعني إرساء الحكم الديمقراطي في البلاد، وهذا يعني محاسبة العسكريين الفاسدين، وتحويل تبعية الشركات الأمنية من الجيش إلى وزارة المالية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا