يوم الأحد الماضي، توفي الكاتب الصحافي السعودي، صالح الشيحي، بعد شهرين على خروجه من السجن، الذي قضى خلفه عاماً ونصف عام متنقلاً بين زنازين السجون العامة وسجون المباحث. وكانت المحكمة الجزائية المتخصّصة في الرياض، المعنيّة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة، أصدرت يوم 8 شباط/ فبراير 2018 حكمها بسجن الشيحي لمدة 5 سنوات، ومنعه من السفر مدة مماثلة، ليُعتقل في 3 حزيران/ يونيو من العام نفسه. وجاء هذا الحكم على خلفية توجيه الشيحي انتقادات إلى الديوان الملكي، الذي قال إنه منخور بالفساد، في وقت كان فيه ولي العهد، الذي يتبع إليه الديوان مباشرة، يواصل حملته المزعومة على الفساد.

وقبل أن يُتم الشيحي محكوميته (أمضى منها 28 شهراً)، قرّرت السلطات، بشكل مفاجئ، إطلاق سراحه في 19 أيار/ مايو الماضي، في خطوة أثارت الكثير من علامات الاستفهام، في ظلّ التضييق المتواصل على أصحاب الرأي في المملكة. في هذا الإطار، تعرب مصادر حقوقية، في حديث إلى «الأخبار»، عن اعتقادها بأن «الرياض، التي تعيش ارتدادات تَهشُّم صورتها الحقوقية وانكشاف انتهاكاتها بصورة كبيرة، لم تعد قادرة على تحمّل مزيد من النقد الذي وُجّه إليها جرّاء المفكر عبد الله الحامد في محبسه من دون أيّ تبريرات». وتضيف المصادر أنه «لربما كان الشيحي يعاني من وضع صحي متأزم، دفع بها إلى إخراجه وتصوير خطوتها على أنها منّة منها، وبذلك تهرب من موجة سخط دولي أخرى». وتلفت إلى أن «وفاة الشيحي بعد خروجه من السجن في خلال هذه المدة القصيرة تعني أن الراحل كان يعاني وضعاً صحياً صعباً، ولم تُقدّم له الرعاية الطبية اللازمة».
وهو ما أكده أيضاً أحد أقارب الكاتب الراحل في حديث إلى «المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان»، حيث أفاد بأن الشيحي دخل العناية المركّزة في برج الشمال الطبي في محافظة عرعر قبل وفاته بـ33 يوماً، ورقد هناك 10 أيام، وبسبب تدهور وضعه الصحي تمّ نقله إلى الرياض. من جهته، عزا الإعلام السعودي الرسمي وفاة الشيحي إلى إصابته بفيروس كورونا، مُحدّداً تاريخ الإصابة بأواخر الشهر الماضي على اعتبار أن معاناته مع المرض استمرّت ثلاثة أسابيع. لكن ليس ثمة ما يؤكّد تلك المعلومات، وخصوصاً أن العشرات شاركوا في مراسم توديع الراحل في محافظة الرفحاء (مسقط رأسه)، حيث لم تُلحَظ الإجراءات المتخذة عادة في دفن المتوفين بالفيروس. «معارض بلا عنوان»، هكذا يحلو للبعض توصيف الشيحي الذي عمل في العديد من الصحف الرسمية، وأبرزها «الوطن»، من دون أن يمنعه ذلك من الكتابة ضدّ الفساد والقهر اللذين «تتساوى فيهما الأنظمة العربية» كما كان يرى. وهو إذ أوقف عن الكتابة مرّات عديدة، إلا أنه في المرة الأخيرة التي ظهر فيها على قناة «روتانا خليجية» (منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2017) منتقداً المحسوبيات في عملية توزيع الأراضي، لم يستطع أن ينجو من السجن.
وفي أعقاب إعلان وفاته، سارعت الأصوات المؤيدة للنظام بل وبعض مسؤوليه إلى ذرف الدموع على الشيحي، فيما ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والتغريدات المطالبة بفتح تحقيق في مصيره. وأعربت «منظمة العفو الدولية» عن حزنها الشديد لرحيله، داعية الرياض إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة. وفيما اعتبرت الباحثة مضاوي الرشيد أن «وفاة أيّ سجين في السجن أو بعد خروجه مباشرة تحتاج إلى تحقيق من قِبَل جهات مستقلة، وهذا ما لا توفره الأنظمة القمعية التي تهرول لإخراج سجين ما من السجن قبل وفاته، في عمل استباقي للتنصل من أيّ مسؤولية»، رأى الباحث فؤاد إبراهيم أن «تراث صالح الشيحي في الأدب السياسي يجعله خصماً عنيداً لنظام آل سعود وعهد سلمان وصبيته»، بدورها، أشارت علياء الهذلول، شقيقة المعتقلة لجين الهذلول، إلى أن «لديّ أختاً معتقلة بلا ذنب ومُغيّبة عنا منذ فترة وأخشى عليها أن تواجه مصير الشيحي».