علناً ومباشرة، وضعت الولايات المتحدة سوريا أمام خيارين: الرضوخ والاستسلام، أو الجوع. الموقف الأميركي أعلنته سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، في مجلس الأمن أمس، قائلة: «غداً (اليوم) تتّخذ إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب تدابير حاسمة لمنع نظام (الرئيس بشار) الأسد من الحصول على انتصار عسكري، ولإعادة النظام وحلفائه إلى العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة». وأوضحت كرافت أن الهدف من قانون «قيصر» هو «حرمان نظام الأسد الدعم والعائدات التي حظي بها لارتكاب فظاعات وانتهاكات لحقوق الإنسان على نطاق واسع، مانعاً أي تسوية سياسية، ومقوضاً بشكل خطير فرص السلام»، مضيفة إن العقوبات بموجب هذا القانون «تهدف إلى ردع الأطراف السيئي النيّة الذين يواصلون مساعدة وتمويل فظاعات نظام الأسد بحق السوريين، محققين ثروات»، مع استدراك بسيط بأن هذه التدابير ستُعلَّق إذا ما أوقفت دمشق «هجماتها المشينة على شعبها وأحالت جميع مرتكبيها على القضاء».

في السياق، أعلنت السفارة الأميركية لدى دمشق، عبر صفحتها على «فيسبوك»، أنه «مع دخول العقوبات حيز التنفيذ بموجب قانون «قيصر»، تواصل الولايات المتحدة التزامها ضمان وصول الدعم الإنساني الدولي إلى المدنيين عبر التنسيق الوثيق بين الشركاء الدوليين». لكن لا يعدو هذا الإعلان وغيره كونه كلاماً في الهواء ولا تفسير عمليّاً له، إذ سيخضع كل الشعب على الأراضي السورية للآثار المباشرة لعقوبات «قيصر» الذي يستهدف قطاعات أساسية تمسّ حاجات المواطن اليومية. فقبل أيام، كان المبعوث الأميركي إلى سوريا، جيمس جيفري، يعلن أن الإجراءات والعقوبات «ساهمت في تدهور قيمة العملة السورية مقابل الدولار الأميركي»، معتبراً أن ذلك «دليل على أن روسيا وإيران لم تعودا قادرتين على تعويم النظام». وذكر جيفري أن «العقوبات ستطاول أي نشاط اقتصادي تلقائياً، وكذلك أي تعامل مع النظام الإيراني»، كما كشف أن واشنطن قدّمت إلى الأسد، عبر طرف ثالث، «عرضاً بطريقة للخروج من هذه الأزمة. إذا كان مهتماً بشعبه فسيقبل العرض»، لافتاً إلى أن بلاده «تريد رؤية عملية سياسية من الممكن ألا تقود إلى تغيير للنظام، لكن تطالب بتغيير سلوكه وعدم تأمينه مأوى للمنظمات الإرهابية، وعدم توفيره قاعدة لإيران لبسط هيمنتها».

ظريف: نحن وأصدقاؤنا نعمل على تطوير الوضع الاقتصادي


إذاً أهداف القانون واضحة، ولا مشكلة لدى واشنطن إن بقي الأسد على رأس السلطة ولم يتغير «النظام»، لكن المطلوب هو: تغيير سلوكه، وعدم توفيره قاعدة لإيران. وهو ما يعني شيئاً واحداً فقط: تخلّي الأسد والدولة السورية عن دعم حركات المقاومة. في المقابل، أعلنت طهران على لسان وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، الذي يزور موسكو، وقوفها الى جانب دمشق، في مواجهة «قيصر». لكن ظريف أعرب عن القلق «بشأن محاولات واشنطن زيادة الضغوط على سوريا»، مؤكداً خلال محادثات مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، أن بلاده لديها اعتقاد قوي بأن «الولايات المتحدة تفعل كل شيء لزعزعة استقرار المنطقة». وقال ظريف: «نحن قلقون بشأن بعض التطورات السياسية والاقتصادية... العقوبات والضغوط الأميركية تؤثر في الشعب السوري. ويجب أن نتأكد من أن الولايات المتحدة... لن تحقّق أهدافها». ونقلت وكالة «سبوتنيك» عنه أن بلاده «تعمل مع الأصدقاء لتطوير الوضع الاقتصادي... لسوريا خط ائتماني في إيران، وسنفعّل كل وسائل التعاون». التصريحات الإيرانية تأتي في الوقت الذي تشق فيه ناقلة نفط إيرانية طريقها نحو السواحل السورية، فيما يجري الحديث عن تجهيز ناقلات إيرانية أخرى في الأيام المقبلة. وبينما صدرت هذه المواقف الإيرانية من موسكو، اكتفى المسؤولون الروس بالحديث عن متابعة المفاوضات السياسية عبر مسار أستانا، من دون الإشارة مباشرة إلى «قيصر» وتداعياته وسبل التعامل معه.