القاهرة | مشكلة مصر في أزمة «سد النهضة» كانت الإهمال. واليوم تحوّلت إلى العجز. وبين الأمس والحاضر، بقي الرهان المصري على حسن النية الإثيوبية قائماً على فراغ. ولمّا استعانت القاهرة بحليفتيها، الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تجد منهما نفعاً في حماية أمنها المائي المتّصل مباشرة بأمنها القومي. فرصة تلو فرصة والنتيجة صفر. فقد انتهت الاجتماعات الأخيرة بين وزراء المياه والري في مصر والسودان وإثيوبيا إلى الإخفاق. لا رؤية موحّدة حول السد حتى بعدما انحاز السودان متأخراً إلى الموقف المصري بعد الأزمة الحدودية مع الجيش الإثيوبي، وأسباب أخرى.

مقابل هذا الترابط المصري ـــ السوداني المستجد خرجت أديس أبابا بوجه صارخ رافضة مخرجات الوساطة الأميركية التي بذلت فيها القاهرة جهوداً كبيرة، فيما كانت تكسب غريمتها الوقت. والمعنى، في حال انتهت الوساطة الأميركية، هو العودة إلى النقطة الصفر، وسيناريوات التصعيد التي كانت قائمة قبل أن يلجأ المصريون إلى الأميركيين لعلّهم يغيثونهم. آنذاك، بداية العام، انتهى المشهد بطريقة سريالية، إذ وقّعت مصر مسوّدة اتفاق بالأحرف الأولى، لينسحب الوفد الإثيوبي.
رغم هذا، بقي الرئيس عبد الفتاح السيسي مصراً على بقاء الوساطة الأميركية. وطالب في اتصال مع نظيره الأميركي، دونالد ترامب، بالضغط على إثيوبيا لأن ما قدّمته في الاجتماعات الأخيرة يُعتبر «تراجعاً كاملاً عن المبادئ والقواعد» التي سبق أن توافقت عليها الدول الثلاث في مفاوضات واشنطن. كما أنها، وفق السيسي، «إهدار لكل التفاهمات الفنية التي تم التوصّل إليها في جولات المفاوضات السابقة». والمضمون ذاته هو ما صرّحت به وزارة الري المصرية، المسؤول الأوّل عن المفاوضات، لكنها واجهة لجهازَي المخابرات العامة والحربية بجانب وزارة الخارجية.

مصادر: القرار الإثيوبي شكليّ ولن نقبل بملء بحيرة الخزان بلا توافق


يقول مصدر مصري لـ«الأخبار» إن القاهرة، التي سبق أن حدّدت موعداً نهائياً للمفاوضات في الخامس عشر من الشهر الجاري كحد أقصى، ترى أن الأمر لا يتجاوز «مناورة إثيوبية جديدة بعد الوساطة السودانية». المصدر أكّد أن مصر مقبلة على «خطوات تصعيدية» قبل نهاية الشهر إذا لم يتم التوصّل إلى اتفاق نهائي أو إعلان إثيوبيا التراجع عن ملء بحيرة الخزان الشهر المقبل. وإن حدث ذلك، يضيف المصدر، فـ«ستراه مصر استجابة وتقديراً خاصّة مع قرب الانتخابات البرلمانية الإثيوبية في حلول آب/أغسطس المقبل».
وحالياً تقول مصر إنها تتمسّك بالاتفاق الذي انتهت إليه المفاوضات التي أجريت في واشنطن لكونه «منصفاً ومتوازناً ويمكّن إثيوبيا من تحقيق أهدافها التنموية مع الحفاظ على حقوق دولتَي المصب». أمّا الخارجية السودانية، فوصفت ما دار في الاجتماعات بأنه «جدال محتدم حول قضايا خلافية»، مؤكدة أهمّية «التوصّل إلى اتفاق سريع ومقبول للدول الثلاث قبل بدء عملية الملء الأول للسد».
بالعودة إلى المصدر الرسمي، قال إن الخلاف في الوقت الحالي هو حول تفاصيل عملية التشغيل والكمّيات التي ستصل إلى مصر في موسم الجفاف، مشيراً إلى أن الموقف الإثيوبي الذي تضمّن تقديم مسوّدة باجتماعات الخميس الماضي تحمل وجهة نظر واحدة «أمر غير مقبول»، مشيداً في الوقت عينه باستمرار المحاولات السودانية «تقريب وجهات النظر والحفاظ على المصالح السودانية التي ستتضرّر بشدّة في حال تنفيذ ما ترغب فيه أديس أبابا».
يشار إلى أن وزير الري السوداني، ياسر عباس، أكد التزام الخرطوم «مرجعية القانون الدولي للمياه، الذي ينص على الاستخدام المنصف والمعقول من غير ضرر جسيم بالآخرين، وهو ما ينطبق على السودان وإثيوبيا ومصر»، لافتاً إلى أن الخلاف يدور حول بعض التفاصيل، خاصّة الملء في أوقات الجفاف والجفاف الممتد، وطريقة التشغيل في الحالة العادية، وكذلك جوهر الاتفاق ذاته وإلزاميّته، وهل هو على الملء والتشغيل فقط أم على تقاسم المياه بين الدول.
وبرغم أنه لا تلميح مصرياً إلى دور تركي في تصعيد الأزمة مع إثيوبيا، فإن دبلوماسياً مصرياً تحدّث إلى «الأخبار» عن رصد نوع من التفاهمات والتواصل المكثّف بين أديس أبابا وأنقرة في الأيّام الأخيرة ارتبط بعضها بمسألة «النهضة» والعلاقات مع مصر، مشيراً إلى أن هذا الأمر وُضع في الاعتبار، لكن لم يُفصح عنه علانية خاصّة مع وجود ضغوط تركية على الخارجية المصرية لبدء تفاهمات معلنة حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية.