«الآن... وسابقاً» بدل «سابقاً... والآن»، عنوان اختارته مؤسسة تابعة لوزارة الخارجية في كيان العدو، لمجلة أقرب الى «بروشور» عن القدس. وهو تضمن صوراً لبعض الآثار وتصاميم لهيكل سليمان، وتم توزيعه بالانكليزية في كل دول العالم عبر سفارات العدو. وتقوم فكرته على مراجعة في التاريخ تهدف إلى التأكيد أن القدس كانت عاصمة اليهود وستبقى كذلك الى أبد الآبدين...

«الدكتور رمضان»، التعبير الأكثر تداولاً في الاشارة الى القائد الفلسطيني الراحل رمضان عبد الله شلح، كان يهتم بالرواية المضادة. كان يبحث عن سبل تأريخ مشابه، ينفي السردية الصهيونية حول تاريخ القدس. وكان مهتماً بعلوم الآثار التي تثبت الرواية المناقضة للرواية الصهيونية.
لم تكن اهتمامات الدكتور رمضان، ذات البعد الثقافي والتأريخي، محصورة بما سبق. ذات مرة، استعاد أغنية شعبية راجت عن الصهاينة أواخر خمسينيات القرن الماضي، قدمتها مطربة إسرائيلية شهيرة هي نعومي شيمير، تحكي فيها عن القدس «أورشليم من ذهب ومن نحاس ومن نور...». وهي أغنية أعيد تعديل بعض كلماتها بعد احتلال القدس عام 1967، وتمثل جزءاً من الوجدان عند الاسرائيليين، الى حدّ ترشيحها من قبل البعض لتكون نشيد البلاد.
عمد الدكتور رمضان الى كتابة نص مقابل، وعلى قاعدة التماثل، نقض فيه الاسطورة، وكان هاجسه وحلمه أن تغني فيروز تلك القصيدة.
في الحقل نفسه، كان الدكتور رمضان، صاحب الكفاءات العلمية واللغات المتنوعة، يهتم بتفاصيل كثيرة خارج إطار المواجهة السياسية والعسكرية مع العدو. فكرة الاعلام والرواية والقصيدة والصناعة الرقمية كانت تأخذ من تفكيره. وهو ممن أجادوا التعرف إلى العقل الاستراتيجي للعدو، كما أجاد تحديد ماهية الصراع في العالم، من أجل تحرر يجعل استعادة فلسطين حلقة في عملية تستعيد فيها شعوب كثيرة في العالم حريتها لا أرضها حصراً. نظرته الى فكرة المحور الشامل الذي يضم قوى المقاومة في كل المنطقة العربية، كانت تدفعه على الدوام الى تثبيت النظرة الى مركز هذا المحور وأذرعه. لذلك، لم يكن يترك لأحد مجالاً لترف البحث عن جنس الملائكة في ما خص الخلافات الدينية والفقهية. كان تعرّفه على التجربة الخمينية أمراً أساسياً. وهو من الذين تأثروا بالبعد الذي اختاره قائده الراحل الشهيد فتحي الشقاقي، يوم شرع الاخير بعد عام 1979 في كتابة قراءة للثورة الايرانية، لمناقشة الأمر داخل أطر «الإخوان المسلمين»، قبل أن ينتهي به الأمر خارج تنظيم «الإخوان»، ومسارعاً الى خطوات تأسيسية قادت الى قيام حركة الجهاد الإسلامي.
بالنسبة إلى الدكتور رمضان، فكرة المقاومة الشاملة للاحتلال وداعميه والمتعاملين معه لا توجب أي خطوة غير عاقلة. لم يكن معجباً على الإطلاق بالفكرة العدمية التي تنهي النقاش بالدعوة الى استئصال مجموعة بشرية. وحساسيته إزاء متطلبات وحدة محور المقاومة وقواها، جعلته على الدوام يخلق إطاراً للنقاشات الخلافية، يتركه بعيداً عن إطار التفاعل في ما خص توفير كل دعم وجهد لقوى المقاومة. لم تكن ملاحظاته قليلة على كثير من الأمور، من بينها طريقة إدارة ملف فلسطين في إيران وسوريا. لكنه أجاد دوماً التمييز بين النقاش الضروري في الوقت والزمان الضروريين، وهو ما جعله يحفظ برنامج الأولويات الأساسي بالنسبة إلى معركة المقاومة، لم يكن يترك أحداً يجره الى نقاش غير منتج من نوع طبيعة الحكم القائم في هذه الدولة العربية أو تلك، بل كان يأخذ النقاش الى نصيب فلسطين وقضيتها من هذا الحكم أو ذاك، وهذه الجماعة أو تلك. ولذلك، كان تمايزه واضحاً مع حركة «حماس» حول الموقف من التطورات التي شهدها العالم العربي بعد عام 2011. ورغم تحفظاته الكثيرة والكبيرة على أداء دول وقوى تسبّبت في الأذية لسوريا ولقوى المقاومة، إلا أنه لم يرد يوماً قطع التواصل مع من كان يعرف أنهم متصلون بشكل او بآخر مع القضية الفلسطينية. تحمّل «عتب» دمشق عليه، وفضّل الابتعاد عن النقاش المباشر بشأن ما يجري في سوريا. ولذلك، لم يقطع اتصالاته أبداً مع مصر (مع تبدّل الحاكمين فيها)، ولم يقطع التواصل مع تركيا وقطر، ولم يترك سوريا، وظل على علاقة تفاعلية مع قوى المقاومة في لبنان والعراق. وبدأ التعرف جيداً على ما يجري في اليمن وتجربة أنصار الله هناك. وفي باله دائماً أن معركة تحرير فلسطين تتطلب جهوداً بحجم الأمة كلها، ولا يمكن إغلاق أي باب يساعد في هذه المعركة. حتى علاقته مع السلطة الفلسطينية لم يتركها رهينة مزاجية بعض أقطاب السلطة من سياسيين أو أمنيين. لم يكن متواضعاً حيال نقد كل تعاون مع العدو، لكنه كان حاسماً في رفض أي تحرك يمكن أن يؤدي الى احتراب أهلي فلسطيني. وهو ما حرص عليه على الدوام في قطاع غزة، رغم ارتفاع منسوب التوتر لفترة معينة مع «حماس».

بالنسبة إلى الدكتور رمضان، فكرة المقاومة الشاملة للاحتلال وداعميه لا توجب أي خطوة غير عاقلة


الحوارات مع الدكتور رمضان لها طقوسها ووقتها المفتوح. وهو تميز باستعداد دائم للنقاش. كان يحرص على طبيعة من التواصل المباشر، ما يجعل الحديث يتجاوز الوقائع السياسية الحارة. وكان يهتم بمتابعة أخبار وأنشطة وإنتاج المثقفين الفلسطينيين والعرب المنتشرين في العالم. له قصة خاصة مع الراحلين محمود درويش وإدوارد سعيد. عرف الدكتور رمضان أنهما زارا سراً الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعد تحرير العام 2000. كان متابعاً لحوارات مرمزة بين الاثنين حول فكرة أن «المستحيل» - أي تحرير فلسطين - بات ممكناً و«ولو بعد جيل»، وهي عبارات وردت في نصوص لم تشرح للعموم. وهو ظل شديد الإعجاب بالسيد نصر الله وبطريقة عرضه لفكرة المقاومة ودفاعه عن حتمية إزالة اسرائيل. أصلاً، كان الدكتور يردد أمام غالبية من عملوا معه ورافقوه ما قاله له الشهيد الشقاقي عن السيد نصر الله، بعد توليه منصب الأمين العام خلفاً للشهيد السيد عباس الموسوي، أن «هذا القيادي الشاب خميني العرب»!
ارتبط الدكتور رمضان بعلاقة خاصة مع الشهيد الراحل عماد مغنية. ربما كان من القلائل الذين كانوا يعرفون الهوية الحقيقية للحاج رضوان قبل استشهاده. وكان دائم التواصل معه. بعد تحرير العام 2000، أخذه الشهيد رضوان الى الجنوب، وسار معه على الحدود مباشرة مع فلسطين. وفتح له الباب أمام مرحلة الاستعداد للعبور نحو فلسطين. وتعاونا في مرحلة لاحقة على إدخال مجموعة من عناصر الجهاد لتنفيذ عملية في مستوطنات شمال فلسطين المحتلة. علاقتهما كانت تتجاوز التشاور حول أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية للصراع مع العدو. كانا يشاهدان الأفلام ويستمعان إلى الأناشيد معاً، ويتحدثان في أمور كثيرة. قبل يوم من عملية 12 تموز 2006، كان «الحاج» في دمشق. زار الدكتور رمضان، وقرّر ليلاً المغادرة، فدعاه الأخير للبقاء الى الغد. لكن رضوان أصرّ على العودة. لم يقل له شيئاً. في اليوم التالي، عندما وقعت العملية، وتم أسر الجنديين، تواصل الرجلان من جديد. يومها اقترح الدكتور رمضان على «الحاج» إطلاق اسم «الوعد الصادق» على العملية، قائلاً إنه «أقل الوفاء للسيد حسن الذي أدخل ثقافة جديدة على جيل القادة، إذ لم يحصل أن أخلف بوعد».
عانت حركة الجهاد من مشكلات تنظيمية مختلفة. دخل اليها وخرج منها كوادر وقيادات. وظلت على الدوام محل نقاشات داخلية متنوعة. لكنها مع الدكتور رمضان، احتلت مكانة متقدمة في الصراع مع العدو. كان الرجل، مثل غالبية القيادات في الحركة، يعي جيداً أنهم ليسوا تنظيماً سلطوياً، ولا ينافسون الآخرين على الحشود لأجل الحشد يوم الانتخابات. لكنهم كان يهتمون بتطوير البنى التحتية للجسم العسكري والأمني للحركة. وكان الدكتور رمضان يثق بشريكه ورفيقه أبو طارق (الأمين العام الحالي للحركة زياد نخالة). كثيرون قالوا إن نخالة كان يفهم عقل الدكتور رمضان ويجيد ترجمته الى أفكار عملانية على الارض. حتى إنه كان يلجأ اليه مرات كثيرة، لإطلاق مواقف أو إفهام الآخرين موقفاً مباشراً حيث تخسر اللغة الدبلوماسية. وهو ما يعرفه غالبية المحاورين للجهاد، من حكومات وقوى وأجهزة أمنية عربية وإقليمية ودولية.
عندما أصيب الدكتور رمضان بالأزمة القلبية، جرت محاولات طبية كثيرة لإنقاذه في بيروت وإيران. وتمت الاستعانة بخبراء آخرين، وجرى تحقيق دقيق في ما إذا كان قد تعرض لعملية تسميم من قبل العدو. ويومها حسم الخبراء والأطباء بأن البحث العلمي لم يصل الى هذه الخلاصة، وأن الرجل فقد قدرته على التفاعل، ليدخل بعدها في غيبوبة طالت حتى أعلنت وفاته قبل يومين.
رمضان عبد الله من عينة القادة المفكرين والمناضلين الواقعيين. هو من قلة نجحت في المزج بين الدورين، وسيكون له أثره وإرثه في حرب ستقود حتماً الى استعادة فلسطين!