حمل اليومان الأخيران تطورات لافتة في الميدان الليبي، بدأت بسيطرة حكومة «الوفاق الوطني» بدعم تركي على قاعدة «الوطية» الجوية، غربي البلاد، واستكملت لاحقاً بإعلان «الجيش الوطني» انسحاب قواته بعيداً عن خطوط التماس، ومطالبته الطرف الآخر بالتجاوب مع هذه المبادرة بالمثل، منذ منتصف الليلة المقبل.

وتسبّبت الخطوة الأخيرة من قوات «الجيش الوطني» التي يقودها خليفة حفتر، بوقوع خلافات مع القوى المحلية التي كانت تقاتل معها، ولا سيما في ترهونة ومحيطها؛ إذ تعوز تلك القوى السلاح الثقيل الذي تمّ سحبه اليوم، وهو ما قد يضعها أمام احتمال تسليم المناطق بالتراضي إلى القوات المدعومة تركياً.
وبالفعل بدأت وسائل إعلام محسوبة على أنقرة و«الوفاق» بالترويج لاتفاقات تسليم مع قادة بعض المناطق المحليين، من دون أن يتم تأكيد ذلك من مصدر آخر، حتى الآن.

خفض تصعيد!
برغم محاولة الناطق باسم «الجيش الوطني» أحمد المسماري، تصوير الانسحاب على أنه مبادرة لإقرار هدنة «إنسانية» في آخر أيام شهر رمضان، فإن وقائع الميدان تقول إن القرار اتُّخذ في معسكر حفتر، بالانكفاء وتخفيف فاتورة الخسائر.
ويدعم هذه المقاربة، تقييم المعارك الأخيرة التي أفضت إلى الواقع الجديد، إذ كسبت قوات «الوفاق» معظمها بعد غارات جوية تركية دمّرت عتاداً عسكرياً (بعضه خارج الخدمة)، ومن دون مواجهات فعلية.
وكان لافتاً في بيان المسماري اليوم، دعوته إلى إنشاء «منطقة خالية من التوتر»، في استعادة لتوصيف مشهور في الحرب السورية، ابتدعته روسيا وتركيا (وإيران)، اللتين تنخرطان في الملف الليبي بطريقة مشابهة جداً.
وبرغم أن الكفة الميدانية تظهر وكأنها تميل بقوّة لصالح حكومة «الوفاق» الموالية لأنقرة، فإن الأخيرة ـــ وكما واقع الحال في سوريا ــــ تحتاج إلى تعميق شراكتها مع روسيا ميدانياً وسياسياً هناك، كلما أرادت مدّ نفوذها وتوسيع رقعة سيطرة حلفائها، أكثر.
ويمكن القول إن التوازن الحاكم للعلاقة الروسية ـــ التركية في ليبيا، يدور حول محور مركزي، هو حفظ أماكن اللاعبين الليبيين على طاولة التفاوض، من دون أن يسحق طرف الآخر.

ترتيبات سياسية
وسط ما يشهده الميدان من تطورات، توحّد خطاب الأطراف المنخرطة في الشأن الليبي على ضرورة الركون إلى وقف لإطلاق النار، بشكل لافت. وحتى الإمارات التي أمدّت حفتر بالغطاء السياسي، ما بعد مؤتمر برلين، أكدت على أهمية الهدنة الآن.
ومع تزايد احتمالات إقرار مثل هذه الهدنة برعاية دولية، برزت ملامح جديدة قد تكون نضجت في مشاورات الأشهر الأخيرة، وعلى وقع رصاص الميدان، إذ قالت حكومة «الوفاق» التي يقودها فائز السراج، إن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، أكد لها أن «عملية إيريني» (المهمة الأوروبية المسؤولة عن مراقبة التزام الدول بحظر تدفق السلاح إلى ليبيا) ستشمل إلى جانب المجالين الجوي والبحري، الحدود الشرقية المشتركة مع مصر، والتي تشكل خط إمداد رئيساً لقوات حفتر، على حسب ما تؤكد أوساط «الوفاق».
وبينما لم يصدر تأكيد إيطالي رسمي (ولا نفي أيضاً) لهذا التعهد، لن تقدم روما ومن خلفها أوروبا هذا الالتزام من دون ضمان تنفيذه، وهذا يعني أن ذلك تم نقاشه مع مصر وباقي اللاعبين.
ومع غياب تفاصيل دقيقة عن طبيعة مهمة «إيريني» على الحدود الشرقية، بدا لافتاً ما نقلته وسائل إعلام مصرية في هذا الشأن، عن قيام الجيش المصري بتعزيز وجوده الأمني على الحدود، في خطوة تتكامل مع توجّه سياسي جديد.
ونقل موقع «مدى مصر» في تقرير نشره أمس، عن سياسيين مصريين وليبيين، تأكيدهم بأن مصر والإمارات باتتا تبحثان عن «بديل لحفتر»، يمكن له تمثيل شرق ليبيا على طاولة التفاوض، مقابل وفد طرابلس.
وفيما ينتظر أن تكشف تطورات الأسابيع القليلة المقبلة صحّة هذا التوجه، من عدمها، فإن الأكيد أن موسكو، الشريك الأهم لأنقرة في ليبيا، والتي تملك خيارات عسكرية وسياسية مهمة لفرض نفوذها هناك، لا تعوّل على حفتر كورقة «رابحة».
أما شكل الهدنة المفترضة وآلية صوغها وإقرارها، فيعيد إلى الأذهان، الاندفاع اللافت للجزائر مطلع العام الجاري، للدخول في الملف الليبي «راعية» لأي مفاوضات، بقبول واسع من الأطراف الدولية، ولا سيما أنقرة صاحبة العلاقة المتوترة مع المغرب (راعية اتفاق الصخيرات، التي قاطعت مؤتمر برلين، استنكاراً لتهميشها، ولتنامي دور تركيا).
ويمكن للجزائر أن تلعب دوراً مهماً في المرحلة المقبلة، وهو ما أكدته أوساط سياسية متابعة للملف الليبي؛ ويتقاطع ذلك مع ما نقلته صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، اليوم، عن مصدر مقرّب من «الأمم المتحدة»، ومفاده أن طرابلس تتجه إلى توقيع اتفاقية تعاون مع «دولة جديدة» تشابه ما وقّعته سابقاً مع الجانب التركي. وبنت أوساط إعلامية تركية على خبر الصحيفة الإيطالية، لتقول إن الجزائر هي هذه «الدولة الجديدة».
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قد استضاف وفوداً تركية وإماراتية رفيعة خلال الأشهر القليلة الماضية، فيما أبدى دبلوماسيون وسياسيون أوروبيون، سابقاً، رضاهم عن مثل هذا الدور الجزائري المفترض.
وتشير الاتصالات النشطة للدول المنخرطة في الشأن الليبي، إلى أن هناك مناخاً دولياً ملائماً للضغط وتهدئة الميدان. وقد يكون انكفاء قوات حفتر الأخير، علامة المرحلة الأخيرة على هذا المسار. فبينما يبدو نفوذ أنقرة واسعاً على «الوفاق»، كان رفض قوات شرق ليبيا مبادرة الهدنة الروسية ــ التركية، التي استضافت اجتماعاتها موسكو، العقبة الأهم؛ ولكن الموقف اليوم تغيّر.