ثمّة وجهتا نظر تتصدّران المشهد العراقي، وتحديداً في شقّه الميداني والحديث عن مواجهة مرتقبة بين واشنطن وطهران، في الساحة العراقية. ترجّح الأولى أن «تهدئة» ما تلوح في الأفق. أما الثانية، فتجزم بأن المواجهة «واقعة... لكن ليس الآن».

يستند أنصار الوجهة الأولى إلى التغيّرات «الاستثنائية» التي طرأت على المشهد، منذ اغتيال قوات الاحتلال الأميركي نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، وقائد «قوّة القدس» في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ورفاقهما، في محيط مطار بغداد الدولي، مطلع العام الجاري. مغامرة أميركية قوبلت بردّ فعل سياسي - ميداني واضح: إقرار البرلمان لقانون يُلزم الحكومة الاتحادية بجدولة انسحاب القوات العسكرية الأجنبية وملحقاتها، بالتوازي مع دعوة فصائل المقاومة إلى مواجهة قوات الاحتلال، وطردها من القواعد والمعسكرات التي تشغلها على طول الخارطة.
ثمّة من قال، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن الإدارة الأميركية (منتصف عام 2019) درست «جدوى» انسحاب قواتها بين عامي 2020 و2021. قرارٌ أخذ في الاعتبار ظروفاً داخلية وخارجية خاصّة بإدارة الرئيس دونالد ترامب؛ أضف إلى ذلك أن واشنطن ترفض تقديم «نصر مجّاني» إلى طهران وحلفائها. اغتيال المهندس وسليماني يعكس مساعي الولايات المتحدة لـ«استعادة هيبتها»، التي فُقدت منذ احتلالها للعراق في نيسان/ أبريل 2003. اغتيالٌ غيّر كثيراً من قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، سياسياً وميدانياً. «الحرس»، وللمرّة الأولى، استهدف «قاعدة عين الأسد الجوية» (غرب العاصمة بغداد)، أبرز نقاط انتشار قوات الاحتلال في البلاد. سياسياً، ثمّة من روّج أن المرحلة المقبلة تفرض «اختيار رئيس وزراء محسوب على واشنطن ترضى به طهران... عكس آلية اختيار عادل عبد المهدي». روّجت هذه المقولة مع فشل الأحزاب والقوى «الشيعية»، المحسوبة على طهران، في ترشيح رئيس من معكسرها، لافتقادها «النضج السياسي» الكافي، وركونها إلى «الكيديّة» وتصفية الحسابات الشخصية، بدلاً من البحث عن حل لأزمة مفتوحة منذ 1 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي.
وعلى مدى الأسابيع الماضية، مُنح الجانب الأميركي «فرصة الانسحاب»، والاتفاق مع الجانب العراقي على جدول زمني لتنظيمه. استُنفدت مهلة الأشهر الثلاثة، وفشلت بغداد في الوصول إلى «جواب شاف»، لأسباب تتراوح بين فشلها وبين التسويف الأميركي ورفض بعض المكوّنات «فكرة الانسحاب». واقعٌ دفع بالبعض إلى الضغط بـ«النار»؛ استهدافات عدّة للقواعد العسكرية الأميركية، وسقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف قوّات «التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش»، سرّع حديث الانسحاب وإجراءاته. تذرّعت واشنطن وحلفاؤها بـ«الخوف» من انتشار فيروس «كورونا»، مع افتقاد العراق إلى البنية الصحّية اللازمة التي تحول دون تفشّي الوباء المستجد.
منتصف آذار/ مارس الماضي، بدأت قوات الاحتلال بخطّة «إعادة تموضع طويل الأمد»، كما يعبّر من هم على تماس معها. إخلاءٌ للقواعد والمعسكرات، وتسليمها لقيادة «العمليات المشتركة» (القوات العراقية)، وحصر القوات في قاعدتَي «عين الأسد» و«أربيل» (إقليم كردستان). أما القوات الأخرى، المنضوية في «التحالف»، فقد غادرت البلاد. تزامن ذلك، أيضاً، مع حملة إعلامية ممنهجة روّجت لـ«مواجهة ما» قد تقع بين طهران وحلفائها، من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، في الميدان العراقي. مصادر مطّلعة، أكّدت أن «الحملة ليست سوى تهويل... وهدفها حرف الأنظار عن الانسحاب»، مضيفة في حديث إلى «الأخبار»، أن «واشنطن تسعى إلى انسحاب سلس، يحفظ ماء وجهها، بعيداً من الإعلام، وليس تحت النار».
أخلى الأميركيون، أخيراً، الكثير من نقاط انتشارهم. حتى الآن، أبقوا على عدد محدود جدّاً من القواعد (مطار بغداد، معسكر التاجي، قاعدة عين الأسد، وبعض النقاط الأخرى)، وسط إجراءات أمنيّة معقّدة تعكس خوفاً من استهدافهم. أما في «كردستان» فلا مساس بنقاط الانتشار، والتنسيق مستمر مع أربيل التي تعارض أصلاً أيّ انسحاب. الأسبوع الماضي، التقى عبد المهدي بالسفير الأميركي ماثيو تولر، الذي سلّمه رسالة من إدارته تطلب فيها «فتح حوار استراتيجي بين الحكومتين، اقتصادياً وثقافياً وتجارياً وأمنياً، بما يحقّق مصالحهما المتبادلة، في ظل القرارات والمستجدّات في العراق والمنطقة». معلومات «الأخبار» تشير إلى أن المطلب الرئيس هو مناقشة انسحاب القوات الأميركية ضمن جدول زمني يُتّفق عليه، مع الإبقاء على عدد محدّد من المستشارين. مصادر أخرى، تؤكّد أن الإدارة الأميركية تسعى إلى الانسحاب قبل 20 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل (راجع «الأخبار»، عدد 4009 وعدد 3984).

اغتيال المهندس وسليماني يعكس مساعي الولايات المتحدة لـ«استعادة هيبتها»


على خط مواز، جاء إجماع الأطراف السياسية المختلفة على ترشيح رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، لتشكيل حكومة انتقالية، تُجري الانتخابات التشريعية المقبلة في غضون عامٍ على أبعد تقدير. هنا، تؤكّد مصادر أمنية رفيعة، على تماس بالقيادات الإيرانية والأميركية على حدّ سواء، أن «الجانبين يسعيان إلى التهدئة في الفترة المقبلة؛ فالأوّل يدعو لها ومطمئنٌ إليها... أما الثاني فيحتاج إليها ولكنّه قلق منها»، مضيفة أن واشنطن «تراهن على مزاج داخلي عراقي، يرفض أداء حلفاء طهران، من شأنه أن يشكّل في المرحلة المقبلة استنزافاً لهم». وكبادرة «ضبط» للمشهد الذي كان على شفير الانفجار، خرجت بيانات فصائل المقاومة، الأسبوع الماضي لتعكس التوجّه الجديد، مؤكّدة على «جاهزيّتها... وأن نداء العمليات لم يُطلق بعد» (من دون أن تحدّد توقيتاً لذلك). أما «كتائب حزب الله - العراق»، فأعلنت صراحةً «تعليق عملياتها بانتظار مآلات الانسحابات الجارية». وزاد على موقف الفصائل رفض «كتلة الفتح» (ائتلاف برلماني يضمّ الكتل المؤيّدة لـ«الحشد») عمليات استهداف المنشآت النفطية، ودعوتها الأجهزة الأمنية إلى محاسبة الفاعلين.
عمليّاً، تسعى طهران وحلفاؤها إلى «التهدئة»، في ظل جائحة «كورونا»، والانهيار المالي للسوق النفطية وتبعاتها على اقتصاداتها، ورهانها على دور محتمل للكاظمي في «ضبط الاشتباك القائم... وتحقيق تواصل هادئ مع واشنطن في هذا الظرف الحسّاس»، من دون أن يقود ذلك إلى «اتفاق» أو «صفقة» ما، على قاعدة أن مصير ترامب، الرئاسي، غير محسوم أبداً، ولا سيما في ظل مواجهة الوباء.
على الضفّة المقابلة، يؤكّد أصحاب الوجهة الثانية، وهم قلّة حاليّاً، أن المواجهة «واقعة لا محال... ولكنها رهن الوقت والظروف». يستند هؤلاء إلى التصريحات الأميركية، ونصب قوات الاحتلال منظومة باتريوت الدفاعية، في عدد من القواعد، وحصر قواتها في أماكن محدّدة. وعلى قاعدة أن «الأميركيين ليسوا مأموني الجانب... وتصرفاتهم غير محسوبة»، يرجّح هؤلاء أن يكون هذا التحرّك تمهيداً لـ«مواجهة ما». ويضيفون أن «تعليق العمليات، لا يعني إغفال الاحتياطات، بل الإبقاء على الجهوزية اللازمة تحسّباً لأيّ طارئ». هنا، ثمّة مدّة أخرى؛ فإما انسحاب جدّي وإعادة تموضع مقبول بهما تحت سقف اتفاقية أمنية جديدة، وإمّا عودة إلى العمليّات تأخذ استراتيجية «ضربة بضربة»، تحت سقف الحرب وأقرب إلى معركة مفتوحة التوقيت والأسلوب.