تتمتّع إسرائيل بعلاقات وثيقة مع دول في منطقة القرن الأفريقي، أهمّها إثيوبيا (الدولة الرئيسة في سياسة الأطراف التي دشّنها ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الفائت، إلى جانب كلّ من تركيا وإيران كنقاط ارتكاز لمباغتة العرب) وإريتريا وكينيا وأوغندا. وتبرز علاقات إسرائيل بإثيوبيا كنموذج راسخ للتفاهمات العسكرية والأمنية والاستراتيجية، على رغم تقلّب أنظمة الحكم في الأخيرة بين إمبراطورية وشمولية وشبه ديمقراطية، إذ إن الثابت الذي يجمع الطرفين تخوّفهما المشترك والرئيس من تحوّل البحر الأحمر إلى «بحيرة عربية أو إسلامية». كذلك، تحضر إسرائيل بقوة في ملف «جمهورية أرض الصومال»، التي كانت من أوائل «الدول» التي اعترفت بها لدى إعلانها استقلالها في حزيران/ يونيو 1960، وتعهّدت في الأعوام الأخيرة بإعادة الاعتراف بها في ضوء دورها البارز، الآني والمتوقع، في سياسات البحر الأحمر والقرن الأفريقي الأمنية. واخترقت إسرائيل البنى الأمنية في منطقة القرن، كما في الحالة الأوغندية منذ عملية عنتيبي (تموز/ يوليو 1976)، وتولّي تدريب القوات الإثيوبية في عهد آخر أباطرة إثيوبيا هيلا سيلاسي، ومستوى التنسيق الأمني الرفيع في نهاية العام 1984 لإجلاء اليهود الإثيوبيين عبر الأراضي السودانية، في ما عُرف بـ«عملية موسى»، في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري.

ولم تتراجع قطّ أهمية القرن الأفريقي (والبحر الأحمر) في السياسات الإسرائيلية، لا سيما عبر البوابة الإثيوبية، وصولاً إلى تأمين إسرائيل لـ«سدّ النهضة» الإثيوبي عبر منظومة مضادّة للصواريخ، وتنسيق أديس أبابا لجهود تل أبيب الإقليمية في المنطقة، ودعمها مساعي الأخيرة للانخراط الرسمي في شؤون القارة الأفريقية، والعمل الجماعي فيها عبر كسب صفة مراقب أو العضوية الكاملة في الاتحاد الأفريقي (بدعم من بضع دول أفريقية أبرزها إثيوبيا وكينيا وغانا وتشاد)، وتمرير الضغوط الإسرائيلية على السودان لدفعه إلى تطبيع علاقاته مع إسرائيل في هذه المرحلة البالغة الحساسية. وجاء الاجتماع المباغت لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس «مجلس السيادة» السوداني عبد الفتاح البرهان، في أوغندا مطلع الشهر الجاري، والطريقة المألوفة التي سارعت من خلالها تل أبيب إلى الإعلان عن الاجتماع ومخرجاته، نتيجة طبيعية، وربما متوقعة تماماً، لجهود إسرائيل المستمرة في القرن الأفريقي، ومساعيها إلى إحكام حلقة وجودها هناك، بشمول السودان ضمن دائرة النفوذ والإخضاع.

لقاء نتنياهو - البرهان عبّد الطريق أمام الأخير من أجل الانفراد بشؤون الحكم


لكن ثمة ملاحظات مهمة وموحية بخصوص توقيت بدء التطبيع. فقد جاء الاجتماع بعد أيام قليلة من إعلان نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب «صفقة القرن»، التي تعني ضمنياً مشروعاً لتصفية القضية الفلسطينية، ليمثّل صفعة مدوّية لـ«الرفض العربي» للصفقة حتى في حالته الشكلية، واستباقاً لزيارة تاق إليها كثيراً البرهان إلى واشنطن لحسم ملفات عالقة بدورها في تطبيع العلاقات الأميركية - السودانية، وأهمّها رفع العقوبات عن السودان، ودعم الأخير لجهود السلام في جنوب السودان، وإحلال السلام في مناطق النزاعات (لا سيما في دارفور وولايتَي النيل الأزرق وجنوب كردفان)، بما يتيحه من تخفيفٍ للضغط على القوات المسلحة السودانية، التي تصعب - في ظلّ الأزمة الاقتصادية - مواصلة تخصيص ما بين 17 - 20% من موازنة البلاد لها (مقابل أقلّ من 3% لقطاع التعليم على سبيل المثال). كما عَبّر التوقيت عن هيمنة إثيوبية واضحة على ملفات عديدة في مسار المرحلة الانتقالية السودانية، حيث جاء الاجتماع بعد دعوات إثيوبية إلى تطبيع عربي - إسرائيلي، وإن اختُصّت الإمارات بدعوة إلى اجتماع بين نتنياهو وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، ينسّقه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
واجه البرهان، ومن ورائه كتائب إعلامية مسلّحة بخطاب موحد يستلهم بشكل لافت للغاية تقنيات باول جوبلز، الردود الشعبية السودانية الرافضة لهذه الخطوة، بالتأكيد أنه لم يراعِ سوى «مصلحة بلاده الوطنية»، وأنه يسعى إلى إخراج السودان من عزلته عبر البوابة الإسرائيلية، وأن قيادات في «قوى الحرية والتغيير» لا تعارض التطبيع سراً ولكن ترفضه علناً، إلى جانب لجوئه أخيراً إلى تصريحات هزلية، من قبيل أدائه صلاة استخارة قبيل مصافحة نتنياهو. وفي ظلّ نجاح هذه الهجمة الإعلامية نسبياً، واستمرار الالتباس في مواقف مكونات «مجلس السيادة» والحكومة الانتقالية و«قوى الحرية والتغيير»، يمكن القول إن لقاء نتنياهو - البرهان عبّد الطريق أمام الأخير من أجل الانفراد بشؤون الحكم، في سيناريو شبه حتمي، يقتضي أيضاً حصول البرهان على تفويض أميركي - إسرائيلي مقابل مزيد من التنازلات الاستراتيجية والاقتصادية، ولا سيما أن إسرائيل غير معروفة بتقديم أيّ دعم اقتصادي ملموس للدول الأفريقية، والاكتفاء بتقديم دعم فني محدود، أو تمرير برامج مساعدات دولية مشتركة ومحدودة التكلفة. وما يعزّز حظوظ ذلك السيناريو هو بروز تناقضات خطيرة وصعبة الاحتواء بين مكوّنات الحكم الانتقالي، تجلّت في تذبذب موقف الحكومة من خطوة البرهان، وفي المقابل الدعم الكامل الذي لقيته من «كبار ضباط القوات المسلحة»، وما بينهما تحشيد قوى الإسلام السياسي ضدّها، بما يهدّد قدرة الحكومة والعسكر على السواء على احتواء تلك القوى مستقبلاً (لتوظيفها في أيّ استحقاقات شعبية، ولا سيما لناحية وضع الدستور السوداني، الذي تحتمي الحكومة تكتيكياً خلف الإسلاميين في رفضها التسليم فيه بعلمانية الدولة).
من ناحية أخرى، وعلى رغم وفرة وعود التطبيع الإسرائيلي - السوداني على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلا أن التجربة التاريخية لا تنبئ بإمكانية تحقّق مثل هذه الوعود. على سبيل المثال، يعاني قطاع الزراعة السوداني، الذي يفترض أن تعزّزه المعونات الإسرائيلية الفنية، خللاً هيكلياً لم تنجح الاستثمارات الخارجية الخليجية سابقاً في معالجته، لتتحوّل الاستثمارات برمّتها إلى استقطاع مساحات كبيرة مغلقة، وتوظيف عمالة غير سودانية، لا سيما من سوريا واليمن ولبنان، كما أورد تقرير لـ«بلومبرغ» في نيسان/ أبريل 2019. كذلك فإن مشكلات الزراعة في السودان (الذي يملك أكثر من 190 مليون فدان صالحة للزراعة بأقلّ الإمكانات) تتركّز في الفساد والسياسات المضطربة وعدم الاستقرار السياسي، وليس في مشكلات فنية. وفي المقابل، فإن الهدف الأهمّ من التطبيع سيكون المساعدة في رفع اسم السودان من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وضمان مساهمة إسرائيل في أيّ ترتيبات أمنية في البحر الأحمر عبر بوابة السودان، إلى جانب شراكتها المتميزة مع إثيوبيا وإريتريا.