لم يكن لقاء عنتيبي يحتاج إلى أدلّة للكشف عمّن دفع السودان إلى الخطوة، في ظلّ المسار الإماراتي ــــ السعودي الجلي، الذي علقت به الخرطوم منذ الانقلاب العسكري على عمر البشير. أتت تسريبات، منها في الصحافة الإسرائيلية، حول ترتيب أبو ظبي للقاء البرهان ــــ نتنياهو، لتُعزّز الانطباع بأن المحور المهيمن على قرار الحكم الجديد في السودان يقف وراء الخيارات الجديدة.

في زمن الوصاية السعودية الإماراتية المطبقة، على رجال الخليج في الخرطوم الضعيفة أن يلتزموا بالوصفة الخليجية، الإماراتية المنشأ والمستوردة سعودياً في عهد محمد بن سلمان: إسرائيل بوابة الرضى الأميركي. وإذ يجد حكام السودان الجدد أنفسهم عالقين في تركة العقوبات الأميركية، وأمام استحقاقات اقتصادية في زمن ما بعد البشير، تقدّم أبو ظبي لهم تلك الوصفة تحت حجّة أنها الحلّ الوحيد لجميع الأزمات السياسية والاقتصادية والضمانة لبناء نظام محصّن، فلن تنجح مصالحة واشنطن بغير التقرّب من إسرائيل واللوبي الصهيوني في واشنطن والعالم.
بالموازاة، وبغضّ النظر عن «المصلحة» السودانية، فإن الهدف الحقيقي هو أن تحصد أبو ظبي (القادرة أساساً وحدها على تمويل عجز السودان الاقتصادي) عوائد الدور بأن تقول لإدارة دونالد ترامب إنها تلبّي مطالب هذه الإدارة برفد مشروع تكريس إسرائيل قوة مركزية في المنطقة، وتبديد العداء والعزلة أمامها عربياً. أي أن جوهر الأمر تقرّبُ أبو ظبي والرياض، لا الخرطوم، من تل أبيب.
استُعمل السودان على توقيت «صفقة القرن» بما يشبه ما تفعله السعودية والإمارات مع نظام البحرين. أي أن المحور السعودي ــــ الإماراتي يدفع الخرطوم نحو خطوات تطبيعية متسارعة تخشى حتى الرياض القيام بها علانية، وهذه الحال مع المنامة التي تُستعمل كمختبر أو صندوق بريد أو ورقة بديلة للتقرّب من واشنطن عبر البوابة الإسرائيلية تجنباً لأضرار العلاقة العلنية مع تل أبيب. وهو أمر أكثر صعوبة في مناطق نفوذ أخرى كليبيا واليمن.
ومرة جديدة، يظهر استغلال أبو ظبي والرياضأزمات الحلفاء عبر الدفع نحو التطبيع كتوطئة لتطبيعهما الأكثر علانية وشمولية. إذ توحي هذه السياسة بوجود خريطة طريق توصل إلى تحالف اقتصادي أمني، شيء منه لا يزال تحت الطاولة، تحلم به واشنطن وتدفع باتجاهه. كل ذلك بعد تهيئة الأجواء عربياً، وترسيخ أن مقاطعة إسرائيل لها ثمن باهظ وعفا عليها الزمن، وأن التطبيع أمر عادي وبديهي ومربح، والكثير من العرب سبقوا إليه.