لم تُطوَ بعد صفحة مبادرة رئيس مجلس «السيادة» في السودان، عبد الفتاح البرهان، إلى تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، ومن ثمّ تمرير الحكومة الانتقالية وغالبية القوى السياسية في البلاد هذه الخطوة، حتى أتبعتها الحكومة بإجراءات تدور كلّها في فلك مراضاة الأميركيين والمؤسسات الدولية الخاضعة لهم؛ إذ أعلنت الخرطوم، أمس، موافقتها على تسليم أشخاص صدرت بحقهم أوامر اعتقال من «المحكمة الجنائية الدولية» بتهم ارتكاب «جرائم حرب» في إقليم دارفور (غرب)، بعدما طلبت من الولايات المتحدة مساعدتها في إجراءات «الإصلاح الاقتصادي والمالي»، فضلاً عن طلب رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، نقل البلاد من الفصل السابع إلى السادس تحت مقرّرات الأمم المتحدة.

في السياق، قال المتحدث باسم وفد التفاوض للحكومة السودانية في مفاوضات السلام، محمد الحسن التعايشي، إن «قناعة الحكومة التي جعلتها توافق على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام الجنائية الدولية ناتجة عن مبدأ أساسي مرتبط بالعدالة وعدم الإفلات من العقاب، ولا نستطيع مداواة الحرب وآثارها المدمرة إلا إذا حققنا العدالة». وأضاف التعايشي: «التزمنا واتفقنا (مع حركات دارفور) اليوم (أمس) على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام الجنائية الدولية، ثمّ اتفقنا على المحكمة الخاصة لجرائم دارفور»، من دون أن يورد مزيداً من التفاصيل. يشار إلى أن «الجنائية» أصدرت أمرين باعتقال الرئيس المخلوع عمر البشير عامي 2009 و2010، إضافة إلى وزراء ومسؤولين آخرين في عهده. وعاد المتحدث باسم «السيادي»، محمد الفكي سليمان، ليؤكد أمس أن التوافق بين الحكومة والحركات المسلحة يشمل البشير، قائلاً: «طبعاً الأمر أُخضع للنقاش لمدة طويلة، واستصحبنا فيه كلّ الجهات القانونية والسياسية والمجتمعية».
في غضون ذلك، أعلن وزير المالية، إبراهيم البدوي، أن السودان «يطلب مساعدة الولايات المتحدة» في ظلّ استعداده لإعلان إصلاحات لنظام الدعم الذي يطبّقه في الشهر المقبل، في إشارة إلى دعم الوقود والخبز. وأوضح البدوي، في مؤتمر، أن حكومته تتحاور مع واشنطن في شأن دخول «سيتي بنك» الأميركي إلى البلاد لتمكينهم من «استخدام البطاقات الذكية وبطاقات تحقيق الشخصية لإدارة التحويلات النقدية»، مشيراً إلى أن «السودان سيقدّم تقريراً في أبريل (نيسان) المقبل إلى نادي باريس الذي يضمّ الدول الثرية الدائنة للسودان عن الآليات الممكنة للسماح بدين أجنبي يصل إلى نحو 60 مليار دولار». ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع عودة طوابير الخبز والوقود، وفي وقت يتواصل فيه تظاهر الآلاف في العاصمة احتجاجاً على سوء الأوضاع الاقتصادية، وللمطالبة باستكمال هياكل السلطة الانتقالية، خاصة تعيين ولاة مدنيين وإنشاء المجلس التشريعي. وجاءت الدعوة إلى التظاهر من قِبَل «لجان المقاومة»، فيما أغلقت الشرطة والقوات الأمنية غالبية الشوارع الرئيسة، خاصة المؤدية إلى القيادة العامة للجيش.
وقبل يومين، أدلى حمدوك بتصريح أثار جدلاً في الأوساط السياسية بعد خطوة التطبيع، وهو طلب حكومته تعديل ولاية الأمم المتحدة على السودان من الفصل السابع (يخضع له منذ 2005) إلى السادس، أي من السماح للأمم المتحدة باستخدام القوة العسكرية والعقوبات السياسية والاقتصادية، ليصير بإمكانها الآن «تكوين بعثة خاصة لدعم السلام تشمل ولايتها كامل أراضي البلاد دون قوات عسكرية». وترفض بعض الأحزاب، وبينها «الأمة القومي»، هذا الطلب، لأنه «يفسح المجال أمام المزيد من التدخل الخارجي».
(رويترز، الأناضول)