تختلف الرسائل في مواقف الأنظمة العربية من التطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي خلال مرحلة ما بعد «صفقة القرن» الأميركية عما قبلها، فهي تلبية للإملاءات الأميركية ــــ الإسرائيلية، وتناغمٌ مع مخطط تصفية القضية الفلسطينية عبر وضع أسس جديدة لعملية التسوية (بغض النظر عن الموقف المبدئي منها) لا تقترب من الحد الأدنى الذي قبله أنصارها، وهو التنازل عن 78% من فلسطين. أما في الحسابات الداخلية لرئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، فإن توقيت تظهير العلاقات مع أنظمة «التنازل» وتطويرها يعود حكماً إلى ما يخدمه في مواجهة القضاء والاستحقاق الانتخابي. لكن الأهم ما هو في حساب القضية الفلسطينية، إذ يعلن المبادرون العرب إلى تعزيز هذه العلاقات انضمامهم صراحة إلى مساعي تطويق الشعب الفلسطيني والضغط عليه للخضوع لإملاءات الولايات المتحدة.

الجديد، بالتوازي مع الحدث السوداني في المسار التطبيعي، هو ما كشفته القناة الـ 13 في التلفزيون الإسرائيلي حول مساعي نتنياهو لعقد صفقة ثلاثية تضم المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وتحصل الأولى بموجبها على اعتراف أميركي بالسيادة على الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع تل أبيب. ونقلت القناة عن ثلاثة مصادر أميركية وإسرائيلية أن هذه المساعي متواصلة، وأنها بدأت قبل عام ونصف عام عندما ألقى نتنياهو كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 27/9/2018، قال فيها إنه «بعد تعاظم قوة إيران، صار الاتفاق بين إسرائيل وعدد من الدول العربية أقرب من أي وقت مضى، بتقارب وود لم أكن أتخيلهما في حياتي قبل بضع سنوات».

كشفت القناة الـ 13 عن لقاء جمع نتنياهو ووزير الخارجية المغربي


يقول تقرير للقناة إنه في عهد نتنياهو «تعزّز كثيراً التحالف السري بين إسرائيل وجزء من الدول العربية السنية، لكنه بقي تحت الطاولة»، مشيراً إلى لقاء جمعه بوزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في اليوم التالي لخطابه في الأمم المتحدة. ولفت التقرير إلى أن اللقاء، الذي جرى في نيويورك، «أتى نتيجة اتصالات سرية أنشأها مستشار نتنياهو للأمن القومي، مئير بن شبات، ومساعده الملقب معوز، إضافة إلى وساطة رجل الأعمال اليهودي المغربي ياريف إلباز، المقرب كذلك من صهر (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب ومستشاره جاريد كوشنر». لكن التقرير لفت إلى أن الخطوات التي قادها معوز «كادت تشعل حرباً بين مجلس الأمن القومي الإسرائيلي وجهاز الموساد برئاسة يوسي كوهين الذي لم يعلم بتلك الخطوات، واستاء كبار المسؤولين في الموساد من تجاوز الأمن القومي صلاحيات الجهاز، وإجراء قنوات اتصال غير منسقة مع الدول العربية».
جراء ذلك، نشبت خلافات حادة بين «الموساد» و«الأمن القومي» الإسرائيلي حول إدارة العلاقات مع «الدول العربية المعتدلة الساعية إلى إقامة علاقات مع تل أبيب»، لكن نتنياهو حسم الخلاف بين المؤسستين لمصلحة مستشاريه بن شبات ومعوز. وأوضح مسؤولون إسرائيليون أن هذين الرجلين «استخدما العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وإدارة ترامب لإحداث اختراق في العلاقات مع الرباط»، وأنهما توجّها إلى كبار المسؤولين في واشنطن طلباً للمساعدة «انطلاقاً من اعتقادهما بأن الولايات المتحدة يمكن أن تقدم المساعدة في قضية سياسية حساسة ومهمة للغاية للمغرب، وهي مسألة السيادة على الصحراء الغربية». هنا، اقترح بن شبات على الإدارة الأميركية الدفع نحو صفقة ثلاثية يغيّر فيها البيت الأبيض سياسته ويعترف بسيادة المغرب على الصحراء، مقابل تشجيع إدارة ترامب الرباط على اتخاذ مسار دبلوماسي يؤدي إلى تطبيع العلاقات مع تل أبيب.