القاهرة | يواصل وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، الآتي من قاعات الجامعة الأميركية، الاستمرار في اتخاذ إجراءات وقرارات تزيد الأزمة في المنظومة التعليمية الجديدة التي بدأ تطبيقها على المرحلة الثانوية، في وقت صارت فيه المدارس الابتدائية خالية من الطلاب بصورة شبه كاملة بسبب إلغاء الاختبارات مع استمرار الدراسة نظرياً، وسط عجز كبير في أعضاء هيئة التدريس في مختلف المدارس. ورغم أن الفصل الدراسي الثاني يُفترض أن يبدأ الأسبوع المقبل، فإن طلاب الأول الثانوي لم تتسلم غالبيتهم «التابلت» الذي يفترض أن يدرسوا ويقدموا الامتحانات بواسطته حتى الآن، وسط وعود بتسليم الأجهزة لأكثر من 500 ألف طالب قريباً. ولذلك، أدى الطلاب الذين يفترض امتحانهم إلكترونياً الامتحانات ورقياً في منتصف الفصل، مقابل «تأدية نصف إلكترونية» لطلاب الثاني الثانوي الذين قدموا بعض الامتحانات ورقياً وأخرى إلكترونياً بسبب تكرار الأعطال في النظام.

إخفاق النظام الإلكتروني، الذي بدأت الوزارة تطبيقه منذ العام الماضي، انعكس على النتائج في بعض المناطق، حيث رسبت أعداد كبيرة من الطلاب، منهم من كانوا يُحسبون على المتفوقين، بسبب مشكلة في النظام، قبل أن يعمد المسؤولون إلى تعديل نتائجهم. كما عدّلت الوزارة آلية التقييم لتكون بالألوان بدلاً من الدرجات التي اعتادها الطلاب في السنوات الماضية، من دون توضيحات كافية. اللافت أن «التربية والتعليم» تحاول تجاوز الأزمة بأي طريقة، من دون البحث في حلول جذرية، وذلك بتعديل تقييمات الطلاب الراسبين في الامتحانات وتقليص أعدادهم لتجنّب احتقان الأهالي، فيما صدر بيان يشرح نظام الألوان المذكور.
لا تريد الوزارة أن تقرّ بأنها تواجه أزمة كبيرة في تطوير التعليم الثانوي، خاصة أن شوقي المدعوم رئاسياً بتعليمات مباشرة من عبد الفتاح السيسي يحاول إخفاء أوجه الضعف وتأكيد أن الوضع الحالي هو الأفضل في ظل الإمكانات المتاحة مالياً، رغم أن آلاف الطلاب والمعلمين على حدّ سواء عجزوا عن فهم التحديثات المستمرة للنظام، التي تكون غالبيتها مفاجئة وقبل الامتحانات بوقت قصير. حتى أسابيع من امتحانات منتصف الفصل الدراسي، التي أُعلنت نتائجها بداية الأسبوع الجاري، لم يكن يُعرف هل هذه النتائج ستكون ضمن التقييمات التي تحدد الكلية التي يلتحق بها الطالب أم لا. ثمّ عدّل الوزير القرار تجنباً لأزمات أكبر من نتائج تقييمات النظام الجديد التي يتظلم منها الطلاب أكثر من النظام التقليدي للثانوية العامة.

أخفقت المصانع المصرية في إنتاج «التابلت» المفترض الدراسة بواسطته


الارتباك في المشهد التعليمي ليس مقتصراً على الثانوية، بل يطاول المرحلة الابتدائية التي أُلغيت الامتحانات الدراسية في أول ثلاث سنوات منها. ورغم الإيجابية الظاهرية للقرار في تخفيف عبء الامتحانات على الطلاب، صارت المدارس الحكومية خالية من الطلاب قبل أكثر من شهر، موعد الإجازة الفعلية، ما أدى إلى تقليص مدة الدراسة الفعلية في الفصل الواحد إلى أقل من عشرة أسابيع. هذا الارتباك مرتبط بتعليمات سيادية بمنع أي انتقاد للنظام الجديد، مع أن السبب هو عجز المصانع المصرية التابعة لهذه الجهات عن إنتاج «التابلت» المفترض الدراسة بواسطته، ما أدى إلى فوضى كبيرة، من دون أن تكون هناك محاسبة لأي من المسؤولين.
ويعود جزء من الأزمة المتواصلة إلى نقص أعداد المعلمين بسبب وقف التعيينات والاقتصار على التعاقدات لمدد محددة ووفق مسابقات، علماً بأن آلاف المعلمين خرجوا إلى التقاعد أو توفّوا أثناء الخدمة، وهو ما يزيد نسبة العجز في الفصول الدراسية، ويضطر معلمين إلى تدريس مواد ليس لهم علاقة بها. يأتي كل هذا ذلك فيما يتمسك وزير التعليم بألا يضيف «أعباء مالية» على وزارته، بانتظار قرار الجهات المعنية التي ترغب في تخفيف مستحقات المعلمين بطريقة غير معلنة، وكذلك الامتيازات التي يحصلون عليها حالياً، مثل مكافأة المشاركة في الامتحانات وبدلات الإجازات والحوافز.
تقول مصادر لـ«الأخبار» إن شوقي يريد استمرار التعاقدات، وخاصة أن العام المقبل سيشهد تقاعد عشرات الآلاف من المعلمين والإداريين، مع زيادة استخدام التكنولوجيا في الجانب الإداري، مستدركة: «سيكون التعامل مع المعلمين الحاليين وفق قواعد وضوابط مختلفة إدارياً، ومن دون انتقاص للمميزات الحالية، حتى لا يتسبب الأمر في غضب لا تضمن الحكومة عواقبه». وكشفت المصادر عن استقالات بين المدرسين الممتازين تجنّباً للمشكلات مع الوزارة، ليكتفوا بالدروس الخصوصية التي تمنحهم مبالغ تتخطى عشرة أضعاف راتب الدولة، علماً بأنه في ظل قانون التأمينات الحالي والتسويات المبكرة، يجد الأساتذة أنفسهم أكثر استفادة من التقاعد المبكّر من الاستمرار حتى الستين.