تسعى أنقرة إلى رسم خطوطها الحمر الجديدة في إدلب، ولو كلّفها ذلك دماء عسكريّيها. على مقربة من سراقب، التي سوّرتها القوات التركية في اليومين الماضيين، قُتِل عسكريون أتراك بنيران الجيش السوري الذي نجح في إجبار القوات التركية على الانسحاب من مدخل المدينة الغربي، لتعبر قواته من خلاله مساء أمس، بالتوازي مع سيطرته على النيرب، على مشارف إدلب المدينة. التطورات الأخيرة دفعت الأتراك إلى مزيد من التصعيد ضد دمشق وموسكو، عبر تصريحات حادة وردٍّ ميداني، ما يهدّد «تفاهم إدلب».

بعدما أخفقت الفصائل المسلحة في «الدفاع» عن معاقلها الأساسية في الريف الجنوبي لإدلب وأرياف حلب، دفعت القيادة التركية بمزيد من قواتها إلى عمق إدلب، في محاولة لوقف تقدم الجيش السوري نحو مدينة سراقب الاستراتيجية. الخطوط الحمر التركية يمكن اختصارها بمنع سيطرة الجيش السوري على الطريقين الدوليين: حلب ــــ حماة (M5)، وحلب ــــ اللاذقية (M4)، إضافة إلى منع انتقال الجيش إلى عمق محافظة إدلب بعد تجاوز الطريقين، والاقتراب من إدلب المدينة. ولذلك، شكّلت القوات التركية ما يشبه منطقة عسكرية واسعة في محيط سراقب، كما ترسل أنقرة منذ أيام تعزيزات عسكرية إلى داخل المحافظة. وفي اليومين الماضيين، دخلت تعزيزات تعدّ الأكبر، وضمّت 240 آلية على الأقل من دبابات وشاحنات مدرّعة تمركز معظمها في محيط سراقب، وذلك لسدّ كل منافذ المدينة أمام الجيش، ودفعه ـــ مع شريكه الروسي ــــ إلى التريّث وإعادة التفكير قبل التقدم، إذ تصبح احتمالات الاحتكاك مع القوات التركية مرتفعة.
لم تكتفِ أنقرة بذلك، بل زوّدت المسلحين بالذخائر والأسلحة النوعية، وفق مصادر عسكرية ميدانية، بهدف كسر تقدم الجيش في كل من ريفي حلب وإدلب. كما أيّدت ودعمت الهجوم الكبير والعنيف على حلب من الجهة الغربية، الذي شنته «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة»)، بحضور وقيادة زعيمها أبو محمد الجولاني، قبل ثلاثة أيام. إضافة إلى ذلك، دفعت أنقرة الفصائل الموالية لها في منطقة سيطرة «درع الفرات» إلى مهاجمة بلدة تادف في ريف حلب الشمالي الشرقي السبت الماضي. وبدا أن الرسائل التركية التصعيدية وصلت الجانب الروسي الذي قرّر الرد عليها، إذ شنت الطائرات الحربية الروسية، للمرة الأولى منذ سنوات، خمس غارات على مدينة الباب الواقعة تحت سيطرة الفصائل الموالية لأنقرة، كما قصفت محيط رتل عسكري تركي بالقرب من قرية كفر حلب في ريف حلب الجنوبي الغربي، من دون إصابته مباشرة.

سيطر الجيش العربي على مدينة النيرب الواقعة على مشارف إدلب


على هذه الحال، كان المشهد قبل أن ينقلب ليل أول من أمس عندما تقدّمت قوات تركية من نقطة كانت قد استحدثتها على طريق حلب ــــ اللاذقية نحو بلدة ترنبة شرقي سراقب، لإقامة نقطة عسكرية فيها تدفع السوريين الى الإحجام عن الدخول. وكان الجيش في ذلك الوقت قد وصل إلى بلدة جوباس الواقعة إلى غرب الطريق M5، وجنوب M4، ويفصله عن المداخل الغربية لسراقب بلدة واحدة هي ترنبة التي تتقدم إليها القوات التركية. في ظل هذه المعطيات، اتّخذ الجيش قراراً حاسماً بإبعاد الجنود الأتراك عن ترنبة ليدخلها تباعاً. وبالفعل، قصفت المدفعية الموقع الذي تمركزت فيه القوة التركية التي كان يرافقها مسلحون من الفصائل، ما دفعهم إلى الانسحاب فوراً لإجلاء المصابين منهم. بعد ذلك، تقدم الجيش إلى البلدة وسيطر عليها، ثم انطلق منها ليل أمس ليدخل أحياء سراقب الغربية، بعدما عمد في مقابل الإجراءات التركية إلى الالتفاف على النقاط التي تعترضه على الطريق الدولي، عبر التوجه غرب الطريق والتقدم بسرعة شمالاً، ليمدّ سيطرته إلى النيرب على شمالي الطريق الدولي. ويكون بهذا قد قطع الطريق M4 لأول مرة، وأصبح على بعد أقل من 8 كلم عن إدلب.
وفي وقت لاحق أمس، أعلنت وزارة الدفاع التركية مقتل خمسة عسكريين، وثلاثة مدنيين، إضافة إلى سبعة جرحى من التابعية التركية. وأعلنت الوزارة توجه كل من وزير الدفاع وقادة الجيش إلى الحدود مع سوريا، كما أعلنت حدوث ردّ شنّته قواتها أدى إلى «مقتل عشرات الجنود السوريين». وكان الرئيس رجب طيب إردوغان قد قال في مؤتمر صباحاً، إن «طائرات تركية من طراز إف ـــ 16، والمدفعية التركية، قصفت أهدافاً حدّدتها أجهزة استخباراتنا». وتوجّه إردوغان إلى موسكو بالقول: «أريد خصوصاً أن أبلغ السلطات الروسية أن تعاطينا هنا ليس معكم، بل مع النظام (السوري)، ولا تحاولوا عرقلة عملنا».
في المقابل، أوضحت موسكو، في بيان عن «مركز المصالحة» التابع لوزارة الدفاع، أن «وحدات من الجيش التركي قامت في ليل الثاني من شباط بالتحرك داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب من دون إبلاغ الجانب الروسي، ووقعت تحت قصف القوات الحكومية لمواقع الإرهابيين في سراقب». ونفت الوزارة أنّ تكون الطائرات التركية قد نفّذت هجمات داخل سوريا. أما وكالة «سانا»، فنقلت خبراً مقتضباً قالت إنه «خلال ملاحقة فلول الإرهابيين واستهدافهم قُتل أربعة جنود أتراك وأصيب تسعة آخرون، وردّت قوات النظام التركي باتجاه الوحدات العسكرية من دون أن يسفر ذلك عن أي إصابة أو ضرر». وفي وقت لاحق، أعلنت وسائل الإعلام الروسية أن وزير الخارجية، سيرغي لافروف، ناقش التطورات مع نظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، «مع إيلاء اهتمام خاص بالوضع الحالي في منطقة خفض التصعيد في إدلب».