بغداد | تنازع تيّاران السيطرة على موجة الاحتجاجات التي يشهدها العراق منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي؛ اتّسم الأول بالتطرف، وسعى إلى تحويل الحراك إلى أداة لمواجهة «النفوذ الإيراني»، وتحديداً حلفاء طهران من فصائل المقاومة و«الحشد الشعبي»، والتي شكّلت أذرعها السياسية «تحالف الفتح» إبّان الانتخابات التشريعية الأخيرة في أيار/ مايو 2018. كانت لهذا التيار أدواته الشرسة في صناعة سردية خاصة، تلقى قبولاً بين عامة الناس، الذين يسهل انجرافهم بسهولة مع «الموجة» الأقوى. تَعكّز بدايةً على تغطية إعلامية واسعة وممنهجة، سعت إلى تظهير الهدف الأبرز من الحراك على أنه مواجهة إيران وحلفائها، وصولاً إلى المطالبة بعزل كلّ الطبقة المحسوبة عليها. كذلك لم يتردّد في المطالبة بإنهاء «الحشد» بعد شيطنة الأخير، واتهامه بالتورّط في القنص وأعمال القتل التي تعرّض لها مئات المتظاهرين والمحتجّين في العاصمة بغداد وذي قار والبصرة والنجف وكربلاء. وقد منح التخبّط الأمني لحكومة عادل عبد المهدي، وارتباكها في مواجهة التظاهرات، دفعة قوية للتيار المذكور، الذي استطاع تكوين شبكة متعاطفين معه، مستعيناً بمظلّة بعثة الأمم المتحدة وسفارات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سفارة الولايات المتحدة التي لعبت دوراً بارزاً في التأجيج تحت غطاء «حماية المتظاهرين». ذروة الدعم الناعم للتيار الأول تمثّلت في احتفاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بمشاهد حرق القنصلية الإيرانية في كربلاء مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ولاحقاً احتفال وزير خارجيته، مايك بومبيو، بتعابير الفرح التي أطلقها بعض المحتجين في «ساحة التحرير» عقب اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، مطلع الشهر الماضي.

على الضفّة الأخرى، سعى التيّار المعتدل إلى إبعاد ساحات التظاهر عن الاستقطابات الداخلية والخارجية، والتركيز على رفع شعارات من صميم المطالب الشعبية الرامية إلى إطلاق عجلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية، ابتداءً باستقالة رئيس الحكومة، وانتهاءً بإقرار قانون انتخابي عادل، وإجراء انتخابات مبكرة على أساسه. مثّل هذا التيار الطيف الأوسع والأكثر حضوراً في ساحات الوسط والجنوب، لكنه - للأسف - افتقر إلى التنظيم والتغطية الإعلامية. عانى من تشتّت في الخطاب الذي تماهى في أحيان كثيرة مع خطاب الطرف الأول، وهو ما حال دون حدوث فرز بينه وبين الأخير الذي وقف وراء كلّ أشكال الاحتجاج العنيف. في جردة حساب لأشهر التظاهر الثلاثة، يبدو أن تيار الاحتجاج الوطني المعتدل فشل في احتواء التيار المقابل، بل إنه يتحمّل جزءاً من النزوع إلى العنف والتصعيد غير المدروس، على رغم نجاحه في فرض خارطة طريق عقلانية لإنهاء الأزمة، وأيضاً تمكنّه - ولو جزئياً - من تطويق أعمال العنف التي شهدتها الساحات.

لا يبدو رفض المتظاهرين لعلّاوي مفهوماً، إذ إنه أحد الأسماء التي رفعتها الساحات


في لحظة تكليف محمد توفيق علّاوي بتأليف حكومة انتقالية، يكون التحالف المرحلي بين التيارين قد انتهى. فالأول يريد استمرار الاحتجاج بوتائر أعنف، لأنه فشل في فرض سقوف عالية على الجميع. أما الثاني، فيريد إنهاء الاحتجاج الفوضوي، ومواصلة مراقبته لأداء المرحلة الانتقالية، خاصة أنه كان طرح قبل ذلك حزمة من الحلول لعقلنة احتجاج الساحات، ومنها إنهاء قطع الطرق والجسور، وجدولة إضراب المدارس والجامعات، لكنها واجهت تعنّت الطرف المقابل وتصعيده. على ضوء الفراق المتوقع بين التيارَين، يلاحظ المراقب حالة العناد الطفولي المستبدّ بالخطاب الرافض لجميع الخيارات التي تُطرح لإخراج العراق من أزمته، وهو ما يعزّز الانطباع بوجود محرّكات فاعلة وقوية تقوم بإدارة التصعيد لأهداف معينة. فبمنطق أصحاب هذا الخطاب، لا يبدو رفض المتظاهرين لعلّاوي مفهوماً البتة؛ إذ إنه أحد الأسماء التي رفعتها الساحات لتولّي المرحلة الانتقالية، ثمّ إن رئيس الحكومة المكلّف حظي بقبول رئيس الجمهورية، الذي خوّلته الساحات مهمة اختيار «البديل الوطني»، بعيداً عن قواعد اللعبة التي ينصّ عليها الدستور العراقي. ويترسّخ انطباع العناد الطفولي الذي تعيشه الساحات منذ تكليف علّاوي، لدى مشاهدة قيام المتظاهرين بإحراق أعلام الأمم المتحدة، التي كانوا رفعوها قبل يومين فقط للمطالبة بالحماية الدولية، إضافة إلى دعوة طيف واسع منهم عبر منصّات التواصل الاجتماعي إلى اختيار محافظة ذي قار كعاصمة جديدة للاحتجاج، وإعلان حكومة مستقلّة من هناك.