تعيد «صفقة القرن» طرح فكرة ضمّ منطقة المثلث، بدءاً من أمّ الفحم جنوب حيفا وصولاً إلى كفر قاسم شمالي القدس، إلى شبه الدويلة الفلسطينية، والتي كان بدأ التداول بها منذ نهاية الثمانينيات. وإذ يستغرب باحثون ومراقبون إعادة طرحها، مستبعدين ترجمتها على الأرض لاعتبارات اقتصادية وأمنية وغيرها، يستعدّ أهالي المنطقة لكلّ الاحتمالات، معلنين رفضهم تجريدهم من حقوقهم الجماعية من خلال «تبادل أراضٍ» هي أصلاً ملكٌ للشعب الفلسطيني.

يَرِدُ في الصفحة الثالثة عشرة من خطة «صفقة القرن» (181 صفحة) مقترحٌ لضمّ منطقة المثلث في فلسطين المحتلة عام 1948، والتي تسكنها غالبية فلسطينية من الباقين في أرضهم بعد النكبة ويحملون الجنسية الإسرائيلية، إلى شبه الدويلة الفلسطينية التي ستقوم على 40% من مساحة الأرض المحتلة أصلاً عام 1967. المقترح، الذي سبق أن جرى تداوله في الأوساط السياسية الإسرائيلية ومعاهد الأبحاث، ليس جديداً، لكن إعادة طرحه في الصفقة أثارت مخاوف أهل المنطقة، لا من احتمال خسارة «مواطَنة» تُعرّفهم وتتعامل معهم كدرجة ثانية أو ثالثة، بل من فكرة إجراء تبادل مع مستوطنات في الضفة هي أصلاً أراضٍ سُلبت من أبناء شعبهم. «مجتمعات المثلث، المكوّنة من كفر قرع وعرعرة وباقة الغربية وأمّ الفحم وقلنسوة والطيبة وكفر قاسم والطيرة وكفر برا وجلجولية، تُعرّف نفسها إلى حدّ كبير أنها فلسطينية. وكانت مخصّصة لتقع تحت السيطرة الأردنية خلال مفاوضات خطّ وقف النار عام 1949، لكن إسرائيل استعادتها لاعتبارات أمنية، خفّت وطأتها منذ ذلك الحين». هذا ما تقوله الفقرة المذكورة، التي لعلّ أخطر ما فيها تعريفها أهالي المثلث على أنهم «مجتمعات» وليسوا امتداداً لشعبهم، بل ووصفها إياهم بأنهم يعرّفون عن أنفسهم بأنهم فلسطينيون، علماً أن منطقتهم تمثّل عملياً خزّاناً للنضال في الداخل المحتل.
أسئلة كثيرة تُطرح حول دوافع إسرائيل من وراء هذا «التنازل»، وخصوصاً أن «التنازلات» لم تكن في يوم من الأيام من ديدنها. في عام 1949، عمد الاحتلال إلى ضمّ منطقة المثلث بموجب «اتفاق رودوس» الذي وقّعه مع الأردن، والذي أدّى، إلى جانب «تفاهمات الشونة»، إلى «ضمّ سلسلة من التجمّعات العربية، من أمّ الفحم في الشمال حتى كفر قاسم في الجنوب، إلى إسرائيل». كانت الدوافع آنذاك ضمان «عمق استراتيجي» مع منفذ بري بين الشمال والجنوب، وفصل اليهود عن الخط الأخضر بواسطة قرى ومدن المثلث عبر وضعها تحت السيطرة الإسرائيلية. وعلى رغم حصول سكان تلك القرى والمدن على الجنسية و«المواطَنة» الإسرائيليتين، إلا أنهم ظلّوا تحت حكم عسكري إسرائيلي 18 عاماً. هكذا، يتّضح أن ضمّ منطقة ذات غالبية فلسطينية كان لعوامل «استراتيجية» فقط، وهو ما يُفسر حقيقة أن مشاريع تهويد المثلث لم تبدأ إلا في الثمانينيات، وليس بالتوازي مع مشاريع تهويد الجليل والنقب، والتي عملت إسرائيل من خلالها على قطع أيّ تواصل جغرافي بين البلدات العربية، عبر إنشاء المستوطنات واستيعاب القادمين الجدد. إذ، بعد نحو 30 عاماً من ضمّ المثلث، بدأت إسرائيل تستشعر خطراً ديموغرافياً منه، ولا سيما أنه لا حضور يهودياً جدّياً على طول الخط الأخضر الملاصق للمثلث، ولهذا تبنّت استراتيجية بناء أجزاء من المستوطنات داخل الخط الأخضر وأخرى خارجه (داخل الضفة المحتلة).

تضمّ المنطقة نحو 300 ألف فلسطيني تتركّز كثافتهم في أمّ الفحم


أما فكرة «تبادل المناطق»، فظهرت نهاية الثمانينيات، حيث أدركت إسرائيل أنه لكي تضمّ إليها مستوطنات الضفة في إطار أيّ تسوية مستقبلية، ستكون عليها مبادلتها بمنطقة المثلث التي حافظت إلى حدّ ما على التواصل الجغرافي بين بلداتها. وتزامن طرح هذه الفكرة، التي كان عرّابها الباحث الصهيوني يوسي ألفر، مع نضوج ما عُرف بـ«حلّ الدولتين». وفي أعقاب الانتفاضة الثانية، عاد المقترح إلى التداول، مستحوِذاً على البرامج الانتخابية للأحزاب الصهيونية وسياسيّيها، وخصوصاً منهم وزير الأمن السابق، أفيغدور ليبرمان، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك، مقترحاً تهجير سكان الجليل إلى تبوك، بين السعودية والأردن، كحلّ للمعضلة الديموغرافية. مع هذا، تجديد الطرح في «صفقة القرن» لا يجده البعض منطقياً. من وجهة نظر الكاتب والباحث، أحمد سليط (من أمّ الفحم)، الذي تحدّث إلى «الأخبار»، فإن احتمال ضمّ المثلث إلى أراضي السلطة مستبعد، لأسباب منها أنه «خلف أمّ الفحم هناك مستوطنة تدعى ميعامي، وهناك مستوطنة جديدة تدعى حريش معدّة لاستيعاب ربع مليون مستوطن، وهنا حديث عن مدينة استيطانية لا مجرد مستوطنة». وعليه، فإن «المنطقة تشكّل رافعة اقتصادية من المستحيل أن تتخلّى عنها إسرائيل بسهولة». تضاف إلى ما تقدّم «مسألة التنظيمات المافياوية الثلاثة الكبرى التي تسيطر على المثلث، وتختزن مئات آلاف قطع الأسلحة المتنوعة التي قد تشكل في حالة الضمّ بيئة لإنشاء عمل مسلح لاحقاً ضدّ إسرائيل»، بحسب ما يؤكد سليط. ويلفت إلى أنه «تاريخياً، كان هناك خطاب سياسي عن ضمّ أمّ الفحم بالتحديد»، عازياً إياه إلى أن المدينة بالنسبة إليهم (الإسرائيليين) «تشكّل بيئة خصبة للعمل السياسي، فعمل الحركة الوطنية في الداخل بدأ من الحزب الشيوعي الذي عمل بصورة كبيرة في أمّ الفحم بعد الناصرة، مروراً بحركة الأرض التي تميزت بعملها السري إلى أن حُظر نشاطها، ومن ثم حركة أبناء البلد، والحركة الإسلامية، وليس انتهاءً بإنشاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي». وإلى جانب الدور السياسي، كان للمثلث دور اجتماعي في العلاقة مع الضفة، إذ تناسبت العائلات من طرفَي جدار الفصل وتصاهرت، إلى حدّ أن البيئة الثقافية والدينية كانت متماهية.
من جهته، يرى الأمين العام لحركة «كفاح»، أيمن حاج يحيى، أن «أساس ضمّ المثلث إلى إسرائيل كان بدافع حاجتها إليه بسبب مرور شارع الملك به، ربطاً بوادي عارة، وهو ثاني شارع يربط شمال فلسطين بجنوبها إلى جانب شارع الساحل... من دون ممرّ المثلث كانت ستبقى إسرائيل بممرّ واحد، وفي حال قطعه ستكون أوصالها تقطّعت جغرافياً». ويستدرك حاج يحيى بأن «هذه الحاجة لم تعد أساسية اليوم، كما أن إسرائيل فشلت في تهويد المثلث، ولذلك تفضّل مكانه المستوطنات الجبلية في الضفة التي تسيطر على غالبية منابع المياه». أما سكرتير «أبناء البلد» في عرعرة، لؤي خطيب، فيعتقد أن «التغيير لا يحتاج إلا إلى بعض المجانين، وهم يتكاثرون في إسرائيل وحليفتهم أميركا»، مشيراً إلى أن «المثلث يشكّل للحكومة الإسرائيلية همّاً؛ بقربه الجغرافي من طولكرم وجنين وقلقيلية، وهذه المناطق المحاذية للخط الأخضر قد لا تمثل خطراً حقيقياً في الوقت الراهن، لكن إسرائيل ترى فيها سوقاً للعبيد (أيادي عمل رخيصة)». ويتابع: «سيكون المثلث في أحلام هؤلاء تتمّةً لما كان، لأن إسرائيل ستتخلّص من 300 ألف فلسطيني ولا سيما في مدينة أمّ الفحم، لأنها طالما سعت إلى دولة نقية من عرقيات أخرى». ويرى خطيب أنه «مع وجود قيادة القائمة المشتركة، ذات السقف النضالي والوطني المنخفض، والتفريط المستمر بالثوابت من جهة السلطة الفلسطينية، هناك فرصة تاريخية لإسرائيل لإنهاء القضية بأقلّ الأثمان». ولذلك، يحذر من أنه بالتوازي مع ردود الفعل الباهتة، «ستُمرّر الحكومة الإسرائيلية في الأسبوعين المقبلين وثيقة صفقة القرن على الكنيست لتباشر بعد ذلك تنفيذها... هذا ليس حلماً إنما واقع سيُمدّد الجدار ليبتلع ما تبقى من فلسطين».
إزاء ذلك، يؤكّد سكان المثلث، الذين قد يُجرَّدون من حقوقهم المدنية، أنهم لن يقبلوا بما تريد «صفقة القرن» فرضه عليهم، ولو تطلّب منهم الأمر تضحيات يُبدون استعدادهم لتقديمها. هذا ما تقوله قيادة «لجنة المتابعة» ومعها رؤساء السلطات المحلية والنواب العرب وأيضاً أهالي المنطقة. رفضٌ عبّرت عنه إحدى مذيعات «القناة الـ12» الإسرائيلية بقولها لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إنهم «لن يوافقوا أبداً على ذلك»، ليجيبها: «أبداً لا تقولي أبداً».