في خطابه الأول عقب اغتيال الجنرال قاسم سليماني والردّ الإيراني الذي تَبِعه، دعا دونالد ترامب، «الأطلسي»، إلى الاضطلاع بدور أكبر في المنطقة، على حساب ذلك الذي يؤدّيه «التحالف الدولي» بقيادة واشطن. دعوةٌ سرعان ما لقيت قبولاً أطلسياً، ولاحقاً «موافقة مبدئية» عراقية على ترتيب حضور «الناتو» في البلاد. كانت تلك إشارة أولى إلى رفض أميركا الانسحاب من العراق، ولا سيما وسط الحراك لطرد القوات الأجنبية مِن بلاد الرافدين، والذي يبدو أن مفاعيله على المستوى الرسمي بدأت تتلاشى.

تنظر بغداد في إمكان منح «حلف شمالي الأطلسي» دوراً أكبر على حساب «التحالف الدولي»، في أعقاب قرار البرلمان العراقي إنهاء وجود القوات الأجنبية في البلاد، وتعليق العمليات المشتركة مع «التحالف». الرفض العراقي للوجود الأجنبي، والذي سعّرته عملية اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس ورفاقهما، يبدو أن التفاعل الرسمي معه بدأ يضمحلّ تدريجياً نظراً إلى جملة مؤشرات، أبرزها قرار استئناف العمليات المشتركة العراقية ــــ الأميركية، والذي أعلنه رئيس حكومة تصريف الأعمال، عادل عبد المهدي، بنفسه. وجاء في بيان صادر عن مكتب عبد المهدي: «بالنظر الى استمرار نشاط عصابات داعش الإرهابية في مناطق عديدة من العراق، ولأغراض استغلال ما تبقّى من وقت للتحالف الدولي قبل تنظيم العلاقة الجديدة بين قواتنا وقوات التحالف الدولي، تقرّر القيام بالأعمال المشتركة التي تقدّم تسهيلات لقواتنا في مجال الإسناد الجوي وحسب حاجة قواتنا التي تحدّدها قيادات العمليات المعنية». وأضاف إن استئناف العمليات سيتواصل إلى «حين الاتفاق على شكل التعاون القادم (بين بغداد والتحالف) بما يحقّق سيادة العراق على أرضه وأجوائه». المؤشّر الثاني إلى تنفيس الخطوات الرسمية العراقية أوحى به اجتماع بين مسؤولين عراقيين وممثّلين عن «الحلف»، بحث «إرساء شراكة محدودة» بين الجانبين لترتيب شكل التعاون المستقبلي بينهما. ووفقاً للناطق العسكري باسم رئيس الوزراء، عبد الكريم خلف، فقد اجتمع مستشار الأمن الوطني العراقي، فالح الفياض، ومسؤولون آخرون، مع ممثلين عن «الناتو» في بغداد أول من أمس عقب اجتماع آخر في عمّان، لتحديد «شكل العلاقة الجديدة» بين الجانبين، وإمكان قيام «الأطلسي» بمهمّات تدريب القوات العراقية، مع التركيز على عدم قيامه بمهمات قتالية.

تعتزم واشنطن نشر أنظمة صواريخ «باتريوت» في العراق لحماية القوات الأميركية


وبدأ مسؤولون عراقيون وغربيون مناقشات في شأن التغييرات في دور «التحالف»، خشية «زعزعة الاستقرار» في حال الانسحاب السريع. وفي هذا السياق، قال خلف إن بلاده تتحاور مع دول أعضاء في «التحالف»، هي فرنسا والمملكة المتحدة وكندا، حول «مجموعة سيناريوات»، تتركّز خصوصاً على «عدم وجود قوات قتالية وعدم استخدام مجالنا الجوي». في هذا الوقت، كشف مسؤولان غربيان، لـ«فرانس برس»، أن عبد المهدي طلب منهما «صياغة بعض الخيارات»، التي قُدِّمت مباشرة إلى رئيس الوزراء، وتضمّنت تشكيل ائتلاف لا تقوده الولايات المتحدة، أو تفويضاً معدّلاً يحدّد أنشطة «التحالف»، أو دوراً موسّعاً لمهمّات منفصلة لـ«الناتو» في العراق. التوجّه لمنح «الحلف الأطلسي» دوراً أكبر كان أحد الخيارات المتعدّدة التي تناقش، وفق ما أشار خلف. خيارٌ يبدو أنه حصل على «موافقة مبدئية» من رئيس الوزراء والجيش، وحتى من هيئة «الحشد الشعبي»، وفق ما أفاد به مصدر غربي توقّع أن تنتهي الأمور بنوع من التسوية: «وجود أصغر بعنوان مختلف»، يُبقي «الأميركيين قادرين على محاربة (داعش)»، ويسمح لـ«العراقيين بادّعاء طرد» قوات الاحتلال.
هذا السياق لمّح إليه المبعوث الخاص إلى «التحالف»، جيمس جيفري، الأسبوع الماضي، لدى إشارته إلى وجود «تحوّل»، على رغم قوله إن المحادثات لا تزال في «مرحلة مبكرة للغاية». وهو يقصد بالتحوّل عدد القوات المدرجة تحت عنوان «الأطلسي» وتلك العاملة في إطار «التحالف الدولي». وتأمل واشنطن بحث الإطار الاستراتيجي الكامل لعلاقتها مع العراق قريباً، في الوقت الذي لا يزال فيه الغموض يحيط بمصير البعثة العسكرية، بحسب جيفري الذي أكّد أول من أمس أن بلاده التي استشاط رئيسها غضباً بعد طلب بغداد سحب القوات الأميركية من العراق، وهدّد بفرض عقوبات في حال أُجبرت على الانسحاب، تدعم إمكان أن يقوم «الأطلسي» بدور أكبر في العراق وسوريا في المستقبل. ولدى سؤاله عن الإطار الزمني للمحادثات مع الحكومة العراقية، قال: «لا أحد يتعجّل أيّ شيء... نحن مهتمون للغاية بعملية حلف شمالي الأطلسي التي سيرى من خلالها ما الدور الإضافي الذي يمكن أن يؤديه».
وجاءت الإشارة الثالثة، يوم أمس، بإعلان رأس «البنتاغون»، مارك إسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميلي، عزم أميركا على نشر أنظمة صواريخ «باتريوت» في العراق لحماية القوات الأميركية بعد الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدة «عين الأسد» في الثامن مِن الشهر الجاري، والتي أسفرت عن إصابة 50 جندياً أميركياً، لكن خطوة كهذه ستكون في حاجة إلى موافقة الحكومة العراقية، وفق إسبر الذي أكّد أيضاً أن واشنطن تتطلّع إلى تعزيز دور «الحلف» في الشرق الأوسط.