بموازاة استمرار المعارك البرية والقصف الجوي، يحتدم التنافس السياسي والعسكري في الملف الليبي، وسط «إقدام» تركي لافت، ومحاولة روسية للإمساك بخيوط اللعبة، بالاستفادة من ضآلة الحضور الأميركي. وفي خضمّ ذلك، بدا لافتاً أمس إعلان وزير الداخلية في حكومة «الوفاق»، من العاصمة التونسية، تشكيل «تحالف ثلاثي» داعم لحكومته بين تركيا وتونس والجزائر، قبل أن تعمد تونس إلى نفي انخراطها في أيّ تحالف من هذا النوع. وجاءت تلك التطورات بعد يوم واحد من زيارة غير معلنة مسبقاً للرئيس التركي إلى تونس، ركّزت على الملف الليبي وأثارت جدلاً واسعاً.

حملة حفتر تَوسّعت في الأسبوعين الماضيين لتشمل شنّ قصف جوي على مدن أخرى تقع تحت سيطرة «الوفاق»(أ ف ب )

يتواصل في ليبيا التصعيد العسكري الذي بدأته قوات المشير خليفة حفتر قبل أسبوعين، مع إعلانها مجدداً «الساعة الصفر» لدخول وسط العاصمة طرابلس. وتَركَّز القتال البري في الضواحي الجنوبية للعاصمة، وأسفر في الأيام القليلة الماضية عن بعض التقدّم لمصلحة قوات حفتر، التي لم تنجح ــــ مع ذلك ــــ في كسر دفاعات قوات حكومة «الوفاق». ويسير القتال في شكل موجات، إذ تتقدّم في ساعات النهار قوات حفتر بغطاء صاروخي وجوي من الطائرات المسيّرة الإماراتية، فيما تستعيد قوات «الوفاق» ليلاً أغلب المواقع التي خسرتها.
لكن حملة حفتر تَوسّعت في الأسبوعين الماضيين لتشمل شنّ قصف جوي على مدن أخرى تقع تحت سيطرة «الوفاق». وتَركَّز القصف على مدينة مصراتة التي تمثّل التشكيلات العسكرية المنحدرة منها العمود الفقري لقوات «الوفاق». وقد رفضت المدينة عرضاً، انتهى أول من أمس، بسحب مقاتليها من الجبهات مقابل وقف استهدافها من الجوّ. وشملت الغارات، أمس، مدينة الزاوية التي تمثّل المدخل الغربي للعاصمة، ومدينة سرت الساحلية وسط البلاد التي تقع تحت سيطرة تشكيلات عسكرية من مصراتة منذ دحر تنظيم «داعش» عام 2016، وتشير أخبار إلى سعي قوات حفتر لدخولها في المستقبل القريب.
في هذا الوقت، بدأ التنافس الإقليمي والدولي في الملف الليبي يتخذ أبعاداً أكثر خطورة، مع إعلان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أمس، نيته تنفيذ وعيده بإرسال قوات إلى ليبيا مطلع الشهر المقبل. إذ قال إردوغان، في كلمة ألقاها أمام أعضاء «حزب العدالة والتنمية»، إنه «نظراً الى وجود دعوة (من ليبيا) في الوقت الراهن فإننا سنقبلها»، مضيفاً «(اننا) سنضع مشروع قانون إرسال قوات إلى ليبيا على جدول الأعمال بمجرّد بدء جلسات البرلمان»، موضحاً أن البرلمان سيقرّ هذا التشريع في الثامن أو التاسع من كانون الثاني/ يناير المقبل. ولم يغفل إردوغان، في كلمته نفسها، تجديد الهجوم على روسيا من بوابة ليبيا، إذ أشار إلى أن «روسيا موجودة هناك بألفي (مقاتل) من فاغنر»، متحدثاً أيضاً عن «وجود نحو خمسة آلاف مقاتل من السودان»، معتبراً أنهم «كلّهم يساعدون بارون حرب (حفتر)، بينما نقبل نحن دعوة من الحكومة الشرعية للدولة. هذا هو اختلافنا».
الرئاسة التونسية: تونس لن تقبل بأن تكون عضواً في أيّ تحالف أو اصطفاف على الإطلاق


في المقابل، تتحاشى روسيا، إلى الآن، الدخول في سجال مع تركيا حول هذا الملف، محاوِلةً وضع نفسها على مسافة متساوية مع الجميع، ومكتفية بلغة الدعوة إلى حلّ سلمي. وفي هذا الإطار، جدّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس، قوله إن «من الصعب في ليبيا الآن تحديد مَن على صواب ومَن يقع عليه اللوم. الشيء الأكثر صحة هو إيجاد حلّ لوقف الأعمال القتالية»، لافتاً إلى «(أننا) نعرف الوضع، ونعلم أن الدول المختلفة تحتفظ بعلاقات مع كلا الطرفين المتنازعين، ومستوى هذه العلاقات مختلف. نحن، الجانب الروسي، على اتصال مع حكومة السيد السراج، ونحن على اتصال مع المشير حفتر». وجاءت مواقف بوتين خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، ركّز فيه الجانبان على «ضرورة التسوية السلمية للأزمة»، وأيّدا «جهود المجتمع الدولي لتحقيق التسوية الليبية بوساطة الأمم المتحدة»، بحسب ما جاء في بيان للكرملين.

جدل في تونس
على خطّ موازٍ، وصل وزير الداخلية في حكومة «الوفاق»، فتحي باشاغا، أمس، إلى تونس، في زيارة ليست الأولى من نوعها، إذ سبقتها واحدة مماثلة بعيد إطلاق حفتر حملته للسيطرة على طرابلس في الرابع من نيسان/ أبريل الماضي. وعقد باشاغا ندوة صحافية لم يكتفِ فيها بالحديث عن مجريات المعارك، بل قدّم رواية كاملة حول ما حصل في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي. وفي هذا الإطار، حمّل النظام السابق المسؤولية الأولى عن الفوضى، منتقداً عدم وجود دستور لأكثر من أربعة عقود، ومعتبراً أن اختلاف المسارين اللذين سلكتهما تونس وليبيا بعد عام 2011 يعود إلى وجود رصيد مؤسّساتي لدى الأولى مكّنها من إسقاط نمط الحكم من دون إسقاط الدولة، بينما لم يكن يوجد فصل بين النظام والمؤسسة لدى الثانية. وتابع باشاغا أن سقوط الدولة في ليبيا جعلها هدفاً للتنظيمات الإرهابية التي برزت في الإقليم، ما حوّل مكافحتها إلى هدف استراتيجي، وهو ما أعطى الفرصة لـ«القوى المتربّصة بالسلطة... لتبرير محاولتها المستميتة الوصول إلى السلطة بمنطق القوة الغالبة» في إشارة إلى حفتر و«عملية الكرامة» التي أطلقها عام 2014. وتحدّث عن مكافحة تنظيم «داعش» لاحقاً، وصولاً إلى الهجوم على طرابلس الذي اعتبر أنه جاء «من دون أيّ سبب منطقي»، وخاصة مع انتهاء التحضيرات لعقد مؤتمر مصالحة في مدينة غدامس برعاية الأمم المتحدة، تحضره جميع الأطراف الليبية، لبحث خريطة طريق حلّ سياسي.
لكن الحديث الأهم لباشاغا كان حول توفير الدعم لحكومته، حيث تحدّث عن توقيع مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية مع تركيا، قبل أن يعرب عن اعتقاده بأنه «سيكون هناك تعاون كبير بين تركيا وتونس والجزائر، وسنكون في حلف واحد يخدم شعوبنا واستقرارنا الأمني». وكان الوزير قد شدّد، في زيارته السابقة، على ضرورة تقديم الدعم لـ«الوفاق»، لكنه طالب حينها بتفعيل «اتحاد المغرب العربي»، توازياً مع تصريحات لوزيرَي الخارجية التونسي والجزائري رفضا فيها مهاجمة طرابلس، لما فيها من تهديد لأمن البلدين وسلامة المدنيين الليبيين.
وجاء حديث باشاغا عن «حلف» مفترض بعد يوم واحد من زيارة غير معلنة مسبقاً للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لتونس، تركّزت على الملف الليبي. وعلى رغم أن المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان التركي والتونسي، قيس سعيّد، تناول «ندوة برلين» وضرورة دعوة تونس إليها، من دون التطرق إلى تدخل تركي عسكري مباشر في ليبيا ووجود دور تونسي في ذلك، إلا أن هذه النقطة أثارت الكثير من الجدل. إذ ندّدت أحزاب ومنظمات ووسائل إعلام تونسية بزيارة إردوغان وتوقيتها، معتبرة إياها «استفزازية». وفيما حذّر البعض من جعل تونس منصّة لنقل الأسلحة التركية إلى ليبيا، ذهب آخرون إلى الحديث عن إمكانية نشر جنود أتراك في تونس. ورداً على تلك التأويلات وعلى تصريحات باشاغا أيضاً، أصدرت الرئاسة التونسية، أمس، بياناً أكدت فيه أن «تونس لن تقبل بأن تكون عضواً في أيّ تحالف أو اصطفاف على الإطلاق، ولن تقبل أبداً أن يكون أيّ شبر من ترابها إلا تحت السيادة التونسية وحدها». واعتبرت أن «التصريحات والتأويلات والادعاءات الزائفة... إمّا أنها تصدر عن سوء فهم وسوء تقدير، وإمّا أنها تنبع من المصادر نفسها التي دأبت على الافتراء والتشويه». وأضافت إنه إذا «صدر موقف عكس هذا من تونس أو من خارجها، فهو لا يلزم إلّا صاحبه وحده».