«تمخّض الجبل فولّد فأراً». هكذا كان الحكم على الرئيس السوداني المعزول، عمر البشير، بعدما حُكم عليه بإيداعه «مؤسسة للإصلاح الاجتماعي» لعامين، وليس السجن، «نظراً إلى كبر سنّه (75 عاماً)»، وفق قرار المحكمة التي أمرت أيضاً بمصادرة ملايين اليوروات والجنيهات السودانية التي عُثر عليها في مقرّ إقامته بعد إطاحته. وجاء هذا الحكم بناءً على الاتهامات المُوجّهة إلى البشير بحيازة عملات أجنبية بطريقة غير مشروعة، والتي كانت تصل أقصى عقوبة فيها إلى السجن عشر سنوات.

وبينما نظم أنصار البشير مسيرات أول من أمس رفضاً للحكم، رحّب «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي قاد الاحتجاجات في وقت سابق هذا العام، بقرار المحكمة، واصفاً إياه بأنه «إدانة سياسية وأخلاقية» للبشير ونظامه، ولافتاً إلى أن هذه قضية من ضمن قضايا عدة ضد الرئيس المعزول وحلفائه. ميدانياً، لم تشهد العاصمة احتكاكات تُذكر مع أنصار الرئيس المخلوع، وخاصة في ظلّ انتشار مكثف للجيش والأمن وسط العاصمة لمنع المتظاهرين الذين قُدّرت أعدادهم بثلاثة آلاف من التوجّه إلى القصر الرئاسي ووزارة الدفاع وكذلك المحكمة. لكن رئيس هيئة الدفاع عن البشير، المحامي أحمد إبراهيم الطاهر، أعلن أنه سيستأنف الحكم، معتبراً أن القاضي «استند في حكمه إلى دوافع سياسية، ورغم ما قام به ما زالت لدينا ثقتنا في القضاء وسنقوم بتقديم استئناف».

برّرت المحكمة تجنّبها الحكم بالسجن بكبر سنّ البشير (75 عاماً)


وبالتزامن مع صدور الحكم، أعلن النائب العام، تاج السر علي الحبر، أن الرئيس المعزول تنتظره قضايا «تصل عقوبة كلّ منها في حال الإدانة إلى الإعدام»، مضيفاً في بيان إن هذه القضايا هي «تحت المادة 130 (القتل العمد)، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم تقويض النظام الدستوري... النيابة العامة تباشر التحقيق في الجرائم التي ارتكبها البشير ورموز نظامه السابق منذ 1989 حتى تاريخ سقوط نظامه في (11) أبريل (نيسان) 2019». وتابع الحبر أن «الجرائم التي يواجهها البشير ونظامه تشمل الجرائم ضد الإنسانية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وجرائم الاغتصاب، وجرائم التعذيب، وجرائم الاختفاء القسري، وجرائم الفساد الأخرى التي تصل المبالغ الواردة فيها إلى مليارات الدولارات»، لافتاً إلى أن حكم محكمة الجنايات جاء تحت المادتين 5 و9 من قانون التعامل بالنقد الأجنبي، وأن «رمزية الإدانة تشير إلى الطريقة التي كانت تُدار بها أموال الدولة».
على خطّ موازٍ، بدأت لجان تابعة لـ«المجلس السيادي» العمل على تصفية تركة النظام السابق، إذ نقلت «وكالة السودان للأنباء» أن رئيس «لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال»، الفريق ركن ياسر عبد الرحمن العطا، أصدر قراراً بحلّ مجلس نقابة المحامين ومجالس النقابات والاتحادات المهنية، كما شكّل «لجنة لتصفية حزب المؤتمر الوطني» الذي كان البشير يتزعمه، على أن يرأسها المحامي طه عثمان وأن تكون لها «اختصاصات واسعة تشمل تسلّم وحجز جميع الأصول الثابتة والمنقولة».
إلى ذلك، أعلنت وساطة دولة جنوب السودان تمديد تفويض «منبر جوبا» لرعاية محادثات السلام بين الخرطوم وفصائل «الجبهة الثورية» لشهرين. وقال رئيس الوساطة، مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية توت قلواك، إن التمديد «يهدف إلى المزيد من الوقت للتشاور والاستمرار في المفاوضات إلى حين الوصول إلى اتفاق على مستوى المسارات الخمسة: (إقليم دارفور (غرب)، ولايتا جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، شرق السودان، شمال السودان، وسط السودان». وأضاف قلواك إن «التمديد... سيتيح الفرصة للوصول إلى اتفاق مرضٍ بين جميع الأطراف»، من دون أن يوضح مَن هي الجهات التي لها صلاحية التمديد.
(أ ف ب، الأناضول)