قبل مضيّ أقلّ من 15 يوماً على تولي نفتالي بينت منصب وزير الأمن في حكومة بنيامين نتنياهو، امتلأت الصحف الإسرائيلية بمضمون خطة هجومية متواصلة يتبنّاها الرجل من أجل «مواجهة إيران في سوريا». على رغم ما تضمّنته خطته من خيارات ومخاطر، فإن توقيتها وهوية من يقف وراءها يتطلّبان التركيز في البداية على خلفياته ودوافعه، والتي ظهرت بعض ملامحها في التسريب الواسع في مختلف وسائل الإعلام، من دون إغفال ما يؤشر إليه من ارتفاع منسوب المخاطر الإقليمية التي تجمع عليها القيادتان السياسية والأمنية.

لو كان وزير الأمن شخصية أخرى لكان بالإمكان الافتراض أن تكون دوافعه في عرض الخطة الجديدة مجردة نسبياً من الاعتبارات الذاتية والمصالح السياسية. لكن أن تكون الدعوة إلى تبني خيارات عدوانية هجومية من قِبَل بينت، فهذا بحدّ ذاته كافٍ للاستدلال على منسوب المصالح الذاتية الكامنة وراء طرحه، لأنه شخصية مسكونة بهاجس إثبات كفاءتها، نتيجة عقدة مستحكمة لديه تدفعه للتمايز عن نتنياهو وليبرمان اللذين سبقاه في المنصب. يُضاف إلى ذلك، حرصه على إثبات مصداقيته في الشعارات والمواقف التي كان يطلقها قبل توليه منصب وزير الأمن.
من الواضح جداً أن بينت يهدف إلى أن يترك بصمة خاصة في حقيبة الأمن. ومن الآن، بات بإمكانه أن يُحضِّر للمعزوفة التي سيرددها عندما ستتشكل حكومة جديدة؛ بأنه دعا إلى خيارات جذرية لكن نتنياهو والمؤسسة الأمنية لم يسمحا له بتنفيذها. فليس أمراً عابراً أن تضجّ الصحف الإسرائيلية بمضمون خطة تداولها وزير الأمن في جلسات مغلقة مع القادة العسكريين، وقبل أن يتم طرحها على طاولة المجلس الوزاري المصغر. ومع ذلك، قد يكون من مصلحة نتنياهو أن يتصدر غيره لتظهير المخاطر والحديث عن خيارات عدوانية حتى لا يُتهم بأنه يرفع مستوى التوتر لحساباته الخاصة المتصلة باتهامه بالرشوى، والذي يمكن أن يودي به إلى السجن.
مع ذلك، لا ينبغي تجاهل إجماع القيادتين السياسية والأمنية على تعاظم تهديد محور المقاومة، وتحديداً في أعقاب التطورات الأخيرة التي شهدتها البيئة الإقليمية، وعزَّزت فيها إيران قوتها الردعية، بعدما كشفت قدرات أبعد مدى مما كانت تقدّر تل أبيب، وأظهرت مستوى من المخاطرة عكس استعدادها الفعلي للمبادرة إلى خطوات ربما كانت مستبعدة جداً لدى المؤسستين الأمنية والسياسية. هذه المستجدات، وما رافقها من انكفاء أميركي أمام إيران، رفعت منسوب الخطر في تل أبيب، وجعلتها أكثر حذراً مما قد تقدم عليه إيران من خيارات عملانية ضد إسرائيل.
من أبرز المؤشرات التي أضفت مصداقية على هذه المخاوف قافلة زيارات القادة العسكريين الأميركيين، ومن ضمنهم قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي كينيث مكنزي، الذي أعلن عن أن إيران تستعد لتوجيه ضربة عسكرية جديدة بعد ضربة «أرامكو»، قبل أن يتبنى نتنياهو التقدير نفسه، متوعداً بالعمل على إحباط نشر إيران قدرات عسكرية صاروخية في سوريا والعراق واليمن. أتى ذلك بالتزامن مع سلسلة من التقارير تحدثت عن مخاوف إسرائيلية من أن تكون إيران قرّرت الرد على الاعتداءات الإسرائيلية التي تشنّها في الساحة السورية.
في هذه الأجواء بالذات، يصبح للخطة التي يطرحها بينت أبعاد محدّدة. كونها تتناول ما يمكن أن يشكل أحد الخيارات المطروحة أمام مؤسسة القرار لمواجهة المسار التصاعدي لمحور المقاومة. في الوقت نفسه، بات واضحاً أن استراتيجية «المعركة بين الحروب»، وفق الصيغة التي شهدناها خلال السنوات الماضية، قد استنفدت نفسها، بعدما أقرّت تل أبيب بأنها لم تنجح في ثني طهران عن تطوير قدرات سوريا العسكرية والصاروخية. في ضوء ذلك، عمد وزير الأمن الجديد، بينت، إلى محاولة إحداث تغيير في الاستراتيجية الإسرائيلية، عبر طرح خيار عدواني هجومي يقوم على تنفيذ عمليات عسكرية مكثفة ضد التواجد الإيراني وحلفائه في سوريا، مبرراً طرحه بأنه في حال لم تبادر إسرائيل إلى هذا الخيار، فإنها ستجد نفسها لاحقاً أمام تهديد مشابه لحزب الله على الأراضي السورية.
التصور الذي يقدمه بينت لمواجهة هذا الواقع على الساحة السورية، بعد فشل الرهان على الجماعات الإرهابية، يستند، بحسب موقع «يديعوت أحرونوت»، على ثلاثة «أرجل»، الأساسية من بينها هي الخيار العسكري، الذي يتعيّن بموجبه على الجيش زيادة قوة العمليات وكثافتها ضد أهداف تابعة للحرس الثوري و«الميليشيات الشيعية» التي تعمل بإمرته في سوريا. بعبارة أخرى، يريد بينت استبدال سياسة الكبح، بالانتقال إلى الهجوم الكثيف. أما المسار الثاني، فهو مسار سياسي، عبر إدارة دونالد ترامب وفرنسا بهدف الضغط على إيران نتيجة خرقها الاتفاق النووي، بحسب وجهة نظره. أما الثالث، فهو خيار الضغط الاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد إيران. وأما بخصوص الخيارات البديلة، فيعتقد بينت أن روسيا لا تستطيع، وغير معنية بالدخول في مواجهة مع الإيرانيين في سوريا. لذلك، لا يمكن الاعتماد عليها لمنع تشكل جبهة ضد إسرائيل في سوريا. وقد يكون من أهم ما تضمّنته خطة بينت رهانها على تقدير مفاده أن محور المقاومة مقيّد عن الردّ بما يؤدي إلى تصعيد في مواجهة العمليات الإسرائيلية العدوانية. ويستند هذا التقدير إلى ما يعتبره فرصة استراتيجية تشكلت نتيجة الاحتجاجات الاقتصادية في إيران نفسها، وفي العراق ولبنان، وأيضاً ببسبب التهدئة النسبية الموجودة في الجبهة الجنوبية.
في كل الأحوال، ما زال هذا الخيار مطروحاً للنقاش في المجلس الوزاري المصغّر، ويحتاج إلى موافقة رئيس الحكومة والمؤسسة العسكرية، التي ستوضح للوزير الجديد الأثمان والكلفة التي قد تدفعها إسرائيل نتيجة رهانات وتقديرات خاطئة.