أقيم، قبل نحو شهر، حفل استقبال للأسيرَين الفلسطينيَّين ــــ الأردنيَّين المفرَج عنهما من سجون العدو الإسرائيلي، هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، في «النقابات المهنية الأردنية»، بدعوة من «اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين في سجون الاحتلال». آنذاك، أورد مرعي، في كلمته بالمناسبة، معلومة بدت عادية، لكن بعد استشهاد الأسير سامي أبو دياك، والكشف عن حمله الجنسية الأردنية، أضحت تلك المعلومة في غاية الأهمية، ومفادها أن عدد الأسرى الأردنيين في سجون العدو أكبر من الأرقام المتداولة (21 - 22).

كان صادماً لكثيرين أن الخارجية الأردنية كشفت عن عدم علمها باعتقال أبو دياك (أسير منذ 2002)، والحُجّة أن الحكومة لم تُبلَّغ بذلك رسمياً إلا حين توجّه والداه إلى عمّان قبل مدة قصيرة لطلب مساعدة الجانب الأردني في الإفراج عنه كي يقضي آخر أيامه وسط عائلته، لكنه استشهد، فتحوّلت المطالبة إلى قضية أخرى هي الإفراج عن جثمانه من ثلّاجات الاحتلال الذي يحتجز مع أبو دياك جثامين 51 أسيراً منذ نيسان/ أبريل 2016، منهم خمسة أسرى استشهدوا في السجون. هكذا، انحصر مطلب عمّان، الخارجة بصورة المنتصر بعد الإفراج عن اللبدي ومرعي، عبر سفارتها لدى تل أبيب، بنقل جثمان أبو دياك إلى المملكة، ليتمكّن أهله من وداعه ومواراته في الثرى، من دون أن تظهر أيّ إشارات إيجابية من الجانب الإسرائيلي.

أحياناً يتجنب الأهالي إبلاغ الحكومة الأردنية بأسر أبنائهم لأسباب عدّة


للمرة الثانية خلال فترة وجيزة، تعود مسألة الأردنيين من أصل فلسطيني إلى الواجهة، سواء عند اعتقال الاحتلال مزدوجي الجنسية، أو حين استشهادهم، ليبقى السؤال: لماذا لا يُبلَّغ ذوو الأسرى من أمثال أبو دياك باعتقال أبنائهم؟ لا يمكن فصل الأمر عن إشكالية الأوراق الثبوتية التي تلاحق الفلسطينيين عامة والمرتبطين رسمياً بالمملكة خاصة، سواء بحمل الرقم الوطني الأردني أو جواز السفر المؤقت؛ إذ إن هذا التعريف المرتبك للأردني ــــ الفلسطيني أمام الاحتلال، وأيضاً أمام دولة تحتكم إلى «معاهدة سلام» معه، يجعل أيّ خطوة مرتبطة بمقاومة الأسير سبباً لعرقلة حياته وعائلته، عدا عن محاذير سحب الرقم الوطني منه، ومن ثمّ خلق مشكلة حقيقية للعائلة.
ولأن الأمر لا يتوقف على سحب الجنسية من شخص واحد فقط وفق قوانين الإقامة ومدّتها، يفضِّل البعض ألا يبلّغ السلطات الأردنية بالاعتقال، فيما تتعامل إسرائيل مع الأسرى الأردنيين بوصفهم فلسطينيين أصلاً، ولذلك لا تبلّغ بدورها الأردن باعتقالهم الذي يكون دائماً في الأرض المحتلة (إذا استُثنيت حالة الاعتقال من على الحدود). وفي بعض الحالات، يكون السبب عدم إقامة العائلة في الأردن، فلا يجري التقدم مباشرة لإدراج اسم الأسير ضمن ملف الأسرى الأردنيين. وفي حالة مرعي مثلاً، تقدّم الأسير بنفسه بطلب رؤية القنصل الأردني لدى تل أبيب، ولذلك جرى التعامل معه كأردني. على أيّ حال، وبغضّ النظر عما إذا كان الأسرى أردنيين من أصل فلسطيني أو فلسطينيين من حَمَلة الرقم الوطني الأردني، ينحصر الدور الأردني حتى اللحظة في «الوساطة» بين الفلسطينيين والعدو على قضايا محددة تستند إلى علاقة عمّان بتل أبيب، والتي عبّر الملك عبد الله الثاني عنها أخيراً في نيويورك بأنها «في أدنى مستوياتها على الإطلاق».