«لا نكترث إن متنا، نحن الأحرار،

من أجل أن نرى زهرة الحديقة،
ومن أجل أن تَرفع ياقوتيات الكرم البسيطة رؤوسها،
لتبقى شامخة»
(«كتابات من السجن»، بوبي ساندز)


استُشهد في سجون العدو الإسرائيلي الأسير الفلسطيني سامي أبو دياك. كانت له أمنية بسيطة لم تتحقّق: أراد أن يعود إلى نقطة البداية، حيث قد ينتهي كلّ شيء كما اعتقد. غير أن ألمه كان يتضاعف في خط دائري مغلق. يكبر ويكبر بلا استراحة في زنزانة السجن الباردة. كلّ ما أراده هو الموت في حضن والدته، متكوّراً فيه مثل جنين، بعدما أفقده السرطان/ الاحتلال لحمه ودمه، فتقلّص جسده إلى أن بدا هيكلاً عظمياً غير قادرٍ على الحركة. مع ذلك، ظلّ يراهن بروحه وإرادته على أن ثمّة شيئاً قد يحدث في لحظة ما، فيبدّل ذلك الموت الأسود المالح إلى موت هادئ جميل. راهَن على أبناء شعبه، الذين فداهم بسني عمره الغضّ، أولئك الذين قدّم إليهم لحمه ودمه وجسده وفكرته... قبل 17 عاماً.
لكن لم يفعل أحدٌ شيئاً سوى بعض مَن حملوا صورته، فجابوا الشوارع صارخين كي تسمع سلطات الاحتلال مطلبهم بالإفراج عن الأسير ومرضه المأسور معه! أدرك هؤلاء ضمناً أن مطلبهم لن يتحقق، لكنهم حاولوا على الأقلّ. وحدهم الأسرى رفاقه في السجون الموزّعة من شمال فلسطين إلى جنوبها كان غضبهم صادقاً وواثقاً وحقيقياً، وهم يطرقون بأيديهم المتشقّقة وأجسادهم الهزيلة بوّابات زنازنهم مكبرين. أمّا المسؤولون، فلهم حكاية أخرى. ستظلّ كلمات سامي تلاحقهم إلى الأبد وكيفما أداروا وجوههم: «لن أسامحكم»، كما خاطبهم في رسالته الأخيرة. هؤلاء ملعونون بلعنة سجنه ومرضه، ودموع أمه وقهرها، وتفاني شقيقه الأسير، سامر، الذي دأب على حراسة موته الصامت منذ خمسةِ أعوام.
إذاً، استشهد سامي... وأيُّ «متفائل» قد يجرؤ على توقّع غير ذلك في زمن مثل هذا، بعدما سقط آخر «خطّ أحمر» أعلنه أولئك المسؤولون أنفسهم؟ إذ لم يعد في ضرب الأسرى المحررين، أو قطع مخصّصاتهم أو اعتقالهم أو تخريب خيمة اعتصامهم، أيُّ وصمة عار قد يشعرون بها؟ وحدها والدته كانت قوية بما فيه الكفاية لتحلم. ولعلّها وصلت ليلها بنهارها وهي تصلّي إلى الله كي يغيّر شيئاً. ربما قالت له في السر: إنه لكَ، أنت منحتني إياه يا رب، وجعلتني أحبه وأتعلق به، ربيته من أجلك. كلّ ما فعلته كان من أجلك. لقد سلك درباً من نار، قاتل أعداءنا بشراسة، قبل أن يشتبك معهم ذات صيف، سنة 2002، ويُصاب، ثم يُؤسر ويُعذّب 75 يوماً في أقبية التحقيق، ثم يُحكَم بالمؤبّد ثلاث مرات. لقد رضيت بكلّ شيء، والآن بعدما أصابوه بالسرطان - أولئك الجلّادون بثياب الأطباء في المستشفى - لا أطلب منك سوى أن تعيده إلى حضني لكي يموت. وإلى أن ينتقل إليك، أريد أن أنتحب فوق عظام جبينه الناتئة وأقبّل خدّيه الغائرين حتى يحمرّا. أريد أن أظلّ أبكي فوقه حتى ينقطع النَّفَس.
تلك الأم المسكينة حُلمها البسيط لم يتحقّق أيضاً. لقد حملتها قدماها قبل أيام إلى المستشفى. هناك، ودّعت الجسد الذي حملته ذات يوم في بطنها. لقد تحدثت معه، تمنّت أن يعرفها وأن يبادلها الحديث على الأقل، أرادت أن تعتذر منه لأنها لم تقوَ على فعل شيء له، لأن العجز ربط الألسنة، وأقعد الأجساد على امتداد وطنه. ربما أرادت أن تُذكّره بشيء قد يريحه، أن تروي له مثلاً مشاكساته في الصغر، أو عن أولاد الجيران، أو أيّ جديد في هذا العالم البائس... لكنها صمتت مثله إلى الأبد، فهو منذ مدّة غير قادرٍ على الحركة أو الكلام.
استُشهد الأسير، وفي هذه العبارات المتواترة ما يحمل على الحزن والغضب، ليس في استشهاد سامي بحيثيّاته الأليمة فحسب، وإنما في الفكرة نفسها: أن يُفني المقاوم روحه في طريق العذاب، مدركاً أن شعبه سيتذكّره ليوم أو اثنين أو أسبوع ثم ينساه كما نسي البقية. مع ذلك، ثمّة من يتابع هذا الطريق، الذي يبدو كأنه بلا نهاية، من دون مشروع جامع. وربما تلك هذه الحقيقة التي جسّدها استشهاد أبو دياك، فقد قضى من دون أن يوقف فعل موته البطيء أيّ أحد... أيّ أحد.

رحلة المقاومة
في السنة الثانية من انتفاضة الأقصى، وتحديداً في 17/7/2002، تمكّنت قوة خاصة في جيش العدو من اعتقال سامي أبو دياك، بعدما اقتحمت قريته سيلة الظهر في جنين، واشتبكت معه ورفاقه ليصاب هو بجروح في يده ورأسه، فيما استُشهد رفيقاه. وبعد اعتقاله، خضع للتحقيق المكثّف 75 يوماً في أقبية سجن «الجلمة»، حيث تعرّض لتعذيب جسدي وحشي نُقل على إثره ثلاث مرات إلى المستشفى. لاحقاً، حكمت محكمة الاحتلال العسكرية عليه بالسجن ثلاثة مؤبدات وثلاثين عاماً، تنقّل خلال 17 عاماً منها (الأعوام التي سبقت استشهاده) بين معظم السجون، متعرّضاً للقمع والعزل الإفرادي لأشهر عدة.

لم يعد في ضرب المحرَّرين أو قطع مخصّصاتهم أيّ وصمة عار!


بدأت المعاناة الفعلية لأبو دياك عام 2015، بعدما دبّت فيه آلام البطن. ظلّت عيادة السجن تعطيه المسكّنات من دون إخضاع حالته للتشخيص. وبعد أسبوعين، فقد الوعي أخيراً، فنقلته إدارة السجن إلى «مستشفى سوروكا» حيث أجريت له عملية جراحية لإزالة الزائدة الدودية. لم يمضِ يومان حتى نُقل سامي إلى عيادة «سجن الرملة»، وهناك كان تشخيص الطبيب بأن وضعه غير طبيعي وأوجاعه مستمرة، فنقل مرة أخرى إلى «سوروكا». وفي المستشفى، عاينه طبيب آخر وادّعى أن «صحته بخير». خلال 48 ساعة، تنقّل الشهيد خمس مرات ما بين «الرملة» و«سوروكا»، ثم تقرّر نقله إلى مستشفى «أساف هروفيه»، الذي أخضعه لعملية استُؤصل فيها 30 سم من أمعائه، وأبلغه الأطباء بأنه مصاب بالسرطان. خلال وجوده في ذلك المستشفى، أُجريت له أربع عمليات جراحية، ومكث أربعة أشهر دخل خلالها في غيبوبة 34 يوماً نتيجة لوضعه الحرج الذي تفاقم بفعل «خطأ طبي» نجم عن إجراء عملية الزائدة الدودية له في «سوروكا»، كما قالت الطبيبة التي أجرت له عملية استئصال الأمعاء.
في أثناء غيبوبته، استدعت إدارة سجن «هداريم» شقيقه لتبلّغه أن سامي قد وصل إلى مرحلة حرجة، وتدعوه وأفراد عائلته إلى إلقاء نظرة الوداع على ابنهم. وفي اليوم التالي، أحضرت سلطات الاحتلال عائلة الأسير لإلقاء نظرة الوداع، باعتبار أن حالته ميؤوس منها، وستتمّ إزالة الأجهزة الطبية عنه. لكن في اللحظات الأخيرة، حرّك أصابعه وفتح إحدى عينيه، فتقرّر عدم إزالة الأجهزة. ومنذ ذلك الحين، بدأ الشهيد - بعد نقله إلى «الرملة» - مرحلة العلاج الكيمياوي، والذي استمرّ ثمانية أشهر، قبل أن يُنقل إلى سجن «ريمون». مجدّداً في سنة 2017، تفاقمت حالة أبو دياك، ونُقل إلى «الرملة». وبعد إجراء الفحوصات له، تبيّن أن هناك كتلة سرطانية في أعلى بطنه، ولذلك عاد إلى العلاج الكيمياوي 12 شهراً أخرى. وفي بداية علاجه للمرة الثانية، تحدث الطبيب مع سامر، وأبلغه أن المرض منتشر في أمعاء شقيقه، وأن الدواء لا يعطي نتيجة. ومنذ أواخر 2017، انتقل سامر إلى «الرملة» كمساعد لشقيقه.
وعلى رغم أن حالة أبو دياك كان ميؤوساً منها، رفضت «لجنة الإفراج المبكر»، التابعة لإدارة سجون الاحتلال، النظر في الطلب المُقدّم للإفراج المبكر عنه. وجاء قرار الرفض بعد تطبيق اللجنة «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016 وتعديلاته»، وهو ينصّ على أن «الأسرى الذين وُجِّهت إليهم تهمة القتل العمد ومساعدة القتل، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، لن يتمّ منحهم الفرصة لتقصير عقوبتهم». أمس، انتهى عذاب أبو دياك باستشهاده أخيراً. ولكنه مات حزيناً في «عيادة الرملة»، المكان الأكثر فظاعة من السجن نفسه. لم تكن أمه بجانبه كما أراد، بل أولئك الجلّادون بـ«روب» أبيض، وبقي هناك وحيداً في كيس أسود!



أسير أردني


يأتي استشهاد سامي أبو دياك بعد وقت قصير على إثارة ملف الأسرى الأردنيين، الذين يُعدّ واحداً منهم؛ كونه يحمل، إلى جانب الهوية الفلسطينية، الجنسية الأردنية أيضاً. وكما كانت المملكة عاجزة عن فعل أيّ شيء في حق الأسرى من مواطنيها، فهي لن تفعل الآن أكثر من طلب نقل جثمانه إلى الأردن لدفنه هناك، بعدما كانت عائلته طالبت الحكومة الأردنية بالضغط على العدو ليكمل ابنها محكوميّته في سجون المملكة... كحدّ أدنى من العذاب.