يتعامل كلّ طرف من الأطراف الإسرائيليين مع لوائح الاتهام التي وجّهها المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى رئيسها (الحالي)، بنيامين نتنياهو، بالطريقة التي تصبّ في مصلحته. لكن الأطراف كافة يسعون إلى تفادي انتخابات ثالثة يرون أنها مكلفة وعبثية، ولن تُحدث تغييراً جذرياً في معادلات «الكنيست» وآفاق تأليف الحكومة. ومن هنا، يعود الاهتمام ليتركّز على إمكانية تأليف حكومة وحدة، وخصوصاً في ظلّ قرار مندلبليت بقاء نتنياهو في منصبه، واستمرار تعرّض الأخير لضغوط من داخل حزبه، «الليكود»، تدعوه إلى التنحّي أو إجراء انتخابات تمهيدية حول رئاسة الحزب قبل انتهاء المدة القانونية المتاحة لتأليف الحكومة.

نتنياهو غير ملزم بتقديم استقالته من رئاسة الحكومة الانتقالية أو إعلان تعذّر القيام بمهماته (أ ف ب )

وفي هذا الإطار، كشفت «القناة 12» الإسرائيلية عن محادثات في «الكنيست» حول خطة جديدة لتأليف حكومة وحدة خلال الأسبوعين المقبلين. وبحسب الخطة التي لم تعلن القوى السياسية حتى الآن مواقفها منها، يتولى نتنياهو رئاسة الحكومة في الأشهر الخمسة أو الستة المقبلة، وهي مدة سيتولى فيها هذا المنصب في جميع الأحوال حتى لو كانت هناك انتخابات ثالثة، ثم يأتي بدلاً منه رئيس كتلة «أزرق أبيض»، بيني غانتس، لسنتين، يعود في نهايتهما «الليكود» إلى رئاسة الحكومة. وبذلك، يكون نتنياهو قد ضَمِن بقاءه في منصبه، وتجنّب في الوقت نفسه انتخابات داخلية في حزبه. لكن الكلمة النهائية، في شأن الاقتراح المتقدم، تبقى لـ«أزرق أبيض» الذي سبق لمسؤوليه أن رفضوا المشاركة في حكومة يرأسها «بيبي»، حتى قبل أن تُوجّه إليه تهم رسمية بالفساد.
في الأثناء، قدَّم رئيس كتلة «الليكود» في «الكنيست»، ميكي زوهار، مشروع قانون ينصّ على تقصير المعركة الانتخابية من 90 يوماً إلى 45، وذلك على خلفية التوقعات بالتوجه إلى جولة ثالثة. ويهدف هذا الاقتراح إلى تقليص الأضرار الاقتصادية والسياسية الناتجة من تكرار الانتخابات، واستمرار الحكومة الانتقالية لمدة أطول. ويبدو حتى الآن أنه لا معارضة لمشروع زوهار، لكن يبقى السؤال حول مدى جاهزية لجنة الانتخابات المركزية لتطبيقه. وبينما تتواصل الأزمة السياسية، وتتعاظم فرص الذهاب إلى انتخابات جديدة، تواجه السلطة القضائية معضلة يبدو المخرج منها غير واضح، ولذا اضطر المستشار القضائي إلى تشكيل طاقم قانوني في مكتبه لبحث هذا الوضع الشائك، يضمّ كلّاً من نوابه والمدعي العام، شاي نيتسان.
اضطر المستشار القضائي إلى تشكيل طاقم قانوني لبحث الوضع الشائك


وتأتي هذه التطورات في وقت أعلن فيه المستشار القضائي أن نتنياهو غير ملزم بتقديم استقالته من رئاسة الحكومة الانتقالية أو إعلان تعذّر القيام بمهماته. وحول استقالته من الحقائب التي يتولاها (الصحة والزراعة والرفاه والشتات)، قال مندلبليت إنه سيبحث هذه قريباً، لأنه «في حالة حكومة انتقالية، لا يمكن القول إن هناك أساساً قانونياً يجبر رئيس الحكومة على الاستقالة»، مشيراً إلى أن المستشار الأسبق للحكومة، القاضي المتقاعد أهارون باراك، كان قد اتخذ الموقف نفسه في حالة مماثلة عام 1977. ولفت إلى أنه ليس من الواضح بعد مدى إمكانية تكليف نتنياهو تأليف حكومة في وقت يواجه فيه لائحة اتهام رسمية، مضيفاً إنه لم يبحث هذه المسألة الآن لأنها «لا تزال نظرية». وبذلك، يميّز مندلبليت بين مسألتين: استمرار نتنياهو في منصبه رئيس حكومة مستقيلة، وإمكانية تأليفه حكومة لاحقة في ظلّ اتهامه رسمياً بتلقي الرشى.
في غضون ذلك، دعا القيادي في «الليكود» وعضو الكنيست غدعون ساعر، رئيس الحكومة ورئيس الحزب، نتنياهو، إلى الاستقالة. دعوةٌ لم يبرّرها بلائحة الاتهام فقط، وإنما أيضاً بأن نتنياهو «لم ينجح مرتين في تأليف حكومة»، وهو «ما أوصل الدولة إلى طريق مسدود». ويأتي موقف ساعر بعد مطالبته بإجراء انتخابات داخلية في «الليكود»، وترشيحه نفسه لرئاسة الحزب. ووصف نتنياهو ومؤيدوه تلك المطالبات بأنها «خيانة». واتّهم وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، في رسالة إلى أعضاء «الليكود»، ساعر بأنه «تجاوز خطاً أحمر»، وبممارسة «محاولة تمهيدية لشق الليكود». أما رئيسة حزب «اليمين الجديد»، عضو الكنيست إيليت شاكيد، فحذرت من احتمال خسارة اليمين في انتخابات ثالثة، مؤكدة أنه «يوجد خطر واقعي من أنه في الانتخابات المقبلة، إذا جرت، سيصل اليسار مع العرب إلى 61 عضو كنيست». ولذلك رأت شاكيد أن «جرّ الدولة إلى انتخابات ثالثة أمر لا ضرورة له وعديم المسؤولية». ورأى رئيس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، من جهته، أمس، أن «الحزبين الأكبرين («الليكود» و«أزرق أبيض») يتحمّلان مسؤولية الأزمة بالقدر نفسه، إذ إن عدم نجاحهما نابع أساساً من نزوات شخصية».