بدت استراتيجية رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لمواجهة اتهامه بالفساد والرشى، مغايرة لردّ فعله المباشر الذي أعقب اتهامه، إذ ظهر واضحاً أنه يسعى إلى تمرير الاتهام ومنع تبعاته المباشرة عليه، سواءً داخل حزبه أم الكتلة اليمينية أم الجمهور، وذلك عبر حرف الأجندة اليومية للإسرائيليين باتجاه الهاجس الأمني شمالاً. واللافت أن قيادة الجيش الإسرائيلي، وتحديداً الصفّ الأول في هذه القيادة، تعمل على إبعاد نفسها عن تلك الاتهامات، الأمر الذي برزت معالمه أمس خلال جولة نتنياهو على الحدود الشمالية برفقة وزير أمنه نفتالي بينت، وإن كانت التصريحات التي ركّز عليها الرجلان تتعلّق بالتهديد الأوّل الذي تواجهه إسرائيل ولا تنأى المؤسستان العسكرية والأمنية عنه، وهو تهديد إيران وحلفائها في الساحة الشمالية التي باتت متّصلة عضوياً من طهران إلى بيروت وغزة، وبينهما العراق وسوريا وأيضاً اليمن.

الواضح أن نتنياهو يستغلّ واقعاً قائماً، وهو تنامي الخشية لدى دوائر القرار في تل أبيب من استهداف إيراني، ترى الاستخبارات العسكرية أنه سيكون شبيهاً بالضربة التي تلقتها المنشآت النفطية السعودية في أيلول/ سبتمبر الماضي، وسيطال مراكز حيوية في إسرائيل، وذلك رداً على اعتداءات إسرائيلية مقبلة، أو بمفعول رجعي على اعتداءات سابقة. وقال نتنياهو إن «إيران تخطّط لشنّ المزيد من الهجمات، وهذا ما يمكنني تأكيده، لكننا نتخذ جميع الخطوات اللازمة لمنع إيران من الاستقرار هنا في المنطقة، بما يشمل الأنشطة التي يتطلّبها إحباط عمليات نقل الأسلحة الفتاكة من إيران إلى سوريا، سواء عن طريق الجو أو البر». وبعد أن رفض الإجابة عن أسئلة تتعلّق بملفه القضائي، أضاف: «سنعمل أيضاً على إحباط محاولة إيران تحويل العراق واليمن إلى قواعد صاروخية ضد إسرائيل». وفي إشارة ربط بين مواجهة تلك التهديدات ومواصلته مهامه على رغم الاتهامات القضائية التي لم يأت على ذكرها، أكد نتنياهو «الالتزام المطلق بمحاربة العدوان الإيراني ومنعه من تحقيق أهدافه»، قائلاً «إنني أفعل كلّ ما هو ضروري للحفاظ على عمل الحكومة، وعمل المجلس الوزاري المصغر الذي أتيت من إحدى جلساته مباشرة إلى هنا، كي نحافظ على أمن مواطني إسرائيل ومصالح إسرائيل الحيوية».

رفض زعيم «الليكود» الإجابة عن أسئلة تتعلق بملفه القضائي


كذلك، تجاهل نتنياهو، في مستهلّ الجلسة الأسبوعية للحكومة الإسرائيلية أمس، ملفه القضائي والاتهامات المُوجّهة إليه، إذ ركّز على «العدوانية الإيرانية» وعلى حادث إسقاط الدفاعات الإسرائيلية مسيّرة فلسطينية في قطاع غزة، الأمر الذي أراد من خلاله توجيه رسائل في اتجاهات عديدة، وتحديداً نحو حزبه «الليكود»، حيث الخطر الأكبر عليه مرتبط بإمكان تشكّل كتلة ضاغطة ووازنة تدفع باتجاه تنحيه. وفي هذا الإطار، طالب منافسه على المنصب، عضو «الكنيست» غدعون ساعر، بضرورة إجراء انتخابات تمهيدية داخل حزب «الليكود» (في حال تقرّر الذهاب إلى انتخابات ثالثة باتت أكثر ترجيحاً بعد اتهام نتنياهو)، لا تقتصر على لائحة مرشحيه لـ«الكنيست»، بل تشمل أيضاً رئاسته نفسها، الأمر الذي لا يلقى إلى الآن تجاوباً ملحوظاً في أوساط الحزب. وعليه، يبدو من المبكر (قبل التأكد من التوجه إلى انتخابات ثالثة) توقع تزايد المواقف «الليكودية» السلبية إزاء نتنياهو، الذي لا يزال يمسك بمفاصل الحزب بقبضة من حديد. وتسري توقعات بأن نتنياهو سيستند، في رفضه إجراء الانتخابات الحزبية، إلى استشارة قدّمها المستشار القضائي لـ«الليكود»، والذي قال إنه ما من سبب يرغم الحزب على إجراء انتخابات داخلية قبل أن يتضح ما إذا كانت هناك انتخابات برلمانية جديدة أو لا.
استناداً إلى ما تقدّم، يبدو أن نتنياهو سيستهلك كلّ المهل الإجرائية التي يسمح بها القانون لتأجيل اتهامه رسمياً، ومن ثمّ سيعمل على تأجيل ما أمكن في حال توجّهه فعلاً إلى المحاكمة، على أن يستمر في منصبه رئيساً للوزراء، وإن على رأس حكومة انتقالية. والجدير ذكره، هنا، أن ما حصل إلى الآن هو مجرّد إعراب المستشار القضائي للحكومة عن نيته توجيه الاتهام إلى نتنياهو، وبالتالي فهو عليه أن ينتظر 30 يوماً لمعرفة إذا ما كان رئيس الحكومة سيستخدم حقه بوصفه عضو «كنيست» ليطالب بالحصانة، وإن كان التوقع المرجّح في هذا الإطار سلبياً. تبقى مفارقة أخيرة، وهي أن نتنياهو تنصّل أمس من تصريحاته و«قفزه المتواصل» من وسيلة إعلامية إلى أخرى، عندما وجّه القضاء اتهامات بالفساد إلى رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت، إذ ثابر نتنياهو آنذاك على الدعوة، بل والتحريض، على استقالة أولمرت، متذرّعاً بأنه لا يمكن الجمع بين رئاسة الوزراء والاتهام القضائي. ونقلت «معاريف» عن نتنياهو قوله، في أحاديث مغلقة، أن أولمرت ارتكب خطأ عندما قرر الاستقالة من منصبه، «وأنا لن أكرر هذا الخطأ، ولن أستقيل». وأضاف: «سأعمل على منع إجراء الانتخابات التمهيدية لرئاسة الليكود، ليس الآن وحسب، بل بعد مهلة الـ21 يوماً» المعطاة لـ«الكنيست» لتشكيل الحكومة.