ربما كان تزامن حديث وزيرَي الخارجية والأوقاف السودانيَّين عن الموقف من العلاقة مع إسرائيل، ثمّ دعوة الأخير لعودة اليهود السودانيين إلى بلادهم، مؤشراً على نيات ما لدى الحكومة الانتقالية. لكن الوزير الشاب الآتي من طائفة «الأنصار» والمحسوب على «حزب الأمة القومي»، نصر الدين مفرح، ينفي أن يكون هذا مقصده. كما يجيب عن أسئلة أخرى تتعلق بتركة النظام القديم وخطط وزارته في بلد يُتّهم بأنه كان مأوى للمتشددين.


حديثك عن عودة اليهود إلى السودان أثار جدلاً واسعاً، لماذا الآن؟ وهل هذا من الأولويات؟
الموضوع كان سؤالاً عادياً جداً من قناة «العربية» (السعودية) حول رؤيتنا كوزارة جديدة في قضية التسامح الديني. تحدثت بوضوح عن أننا ننتهج نهج التعايش، من منطلق أننا دولة ذات تنوع، وحتى الدين الإسلامي فيه مذاهب ومشارب فكرية، كما عندنا الديانة المسيحية. كانت هناك كتلة اجتماعية واقتصادية من اليهود في هذه البلاد منذ قديم الزمان، وشكّلوا ملامح لمجتمع متعدّد من سنة 1885 إلى سنة 1889. كانوا موجودين حتى ستينيات القرن الماضي، وظلوا يعيشون في تسامح كبير جداً، لكن حدثت ممارسات عنف وضغط فاضطروا إلى الهجرة. هم سودانيون وعندهم جنسيات ولديهم ممتلكات ومنازل. الآن، توجد دولة مدنية في السودان تسمح لأي شخص بممارسة عقائده وشعائره التعبّدية وحياته الاجتماعية، ومن هذا الباب دعونا أي سوداني أكان من اليهود أم لا إلى العودة. بعض الناس يحرّفون المواضيع، ويقولون إنني أريد دعوة الصهاينة. أنا دعوت سودانيين من اليهود، مثلهم مثل الأقباط والأقليات الأخرى.
كثيرون ربطوا هذا التصريح بكلام وزيرة الخارجية الذي استتبع اتهامها هي الأخرى بالدعوة إلى إقامة علاقة مع إسرائيل.

في الدولة السابقة، كانت عقوبة الردّة الإعدام، وهذه المسألة حولها خلاف


هذا الكلام مغلوط جداً. نحن ضد دولة الاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية، وهذا مبدأ ليست فيه مجاملة. بكل أريحية، دعونا إخواننا السودانيين من اليهود الذين يشكلون جزءاً من ملامح مجتمعنا للعودة والعيش بسلام. هم موجودون وموزّعون في العالم. أما الأمر المتعلق بالصهيونية العالمية التي اغتصبت فلسطين، فمؤكد أن موقفنا منها مبدئي: يجب أن تتحرّر فلسطين ويخرج اليهود منها. هذا (دعوة اليهود للعودة) لم يكن الهاجس الأساسي، بل نريد أن نرى التنوّع بين الناس الموجودين في السودان وأن يعيشوا بسلام، لكن الحديث جاء في السياق الذي ذكرته. وأنا مسؤول عن حديثي، لكنني غير مسؤول عن تفسيرات الآخرين. نحن مهتمون جداً بقضية الأقليات. صحيح أن الإسلام يشكل أكثر من 90% من الشعب السوداني بعد انفصال الجنوب، لكن هذا لا يعني الاستعلاء. الدولة قانوناً وشرعاً وعرفاً يجب أن تُؤمّن حرية العبادة.
مع ذلك، الحريات الدينية من المسائل المعقّدة في السودان ولها تاريخ طويل في الإشكالات.
ثمة فرق بين الدعوة إلى أن نمارس حريتنا التعبدية ومعتقداتنا الدينية، وبين الانتقال من دين إلى دين. يجب أن ترجَأ القضية الأخيرة إلى المؤتمر الدستوري الجامع للبتّ فيها بصورة نهائية، وهذه واحدة من القضايا التي أثارت لغطاً كبيراً. المؤتمر سيأتي في نهاية الفترة الانتقالية، وفيه تُقرّر هذه القضية كقانون في دستور البلاد.

وبالنسبة إلى قضية الردّة؟
في الدولة السابقة، كانت عقوبة الردة الإعدام، وهذه قضية حولها خلاف عميق جداً، وكانت واحدة من الأمور التي ينتقدها العالم الخارجي. الآن، عندنا وثيقة دستورية، ولا نزال ننتظر المؤتمر الدستوري الجامع لكي نأتي بعلماء ومفكّرين يبتّون هذه القضية وغيرها. كذلك، ثمة إشكالات أخرى في مفهوم الناس عن الشريعة التي هي في الأصل سلوك وعمل وليست جَلداً وقطع عنق أو يد. هذا جزء محدود من الشريعة اسمه الحدود. علينا تربية المجتمع، وبعدها ستتقلّص المسائل المتعلقة بالقيم الفاسدة. أي شخص يتجاوز الحدّ عليه عقاب، سواءً في الشريعة أم القوانين الوضعية. ولذلك، فكرة المناداة بالشريعة وأن تحكم الناس لا بدّ أن ينتبه أصحابها إلى أن هذه دولة تعيش فيها مختلف الأديان، ولذلك عليهم انتظار المؤتمر الدستوري الجامع الذي يجب أن يحفظ للمسلم وللمسيحي وحتى للاديني حقه. الشعب السوداني كله سيصوّت على الدستور.

ورِثْت وزارة كانت محسوبة على «الإخوان المسلمين»، فما أولوياتكم الجديدة؟
هذا سؤال مهم جداً. جئنا ووجدنا دولة موازية لا دولة عميقة. وجدنا دولة أطّرت لقوانين وعدّلت أخرى وخلقت أجساماً متعددة وموازية لأجسام الوزارة. صحيح أنها فنياً تتبع لنا لكنها إدارياً كانت تتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة، وتؤدي أدوار الوزارة تماماً. الأولويات الآن أن أعدّل بعض القوانين عبر الرئاسة (مجلس الوزراء ومجلس السيادة) في ظلّ غياب المجلس التشريعي، والهدف إرجاع الصلاحيات إلى الوزير حتى يكون قرار وزارته عنده، وكذلك حسم أمر الأجسام الموازية. هناك مجموعات للأسف تمثل النظام السابق وتعمل على أن تُعيق انطلاقتنا. الشخص الفاسد منهم سيذهب إلى «مفوضية مكافحة الفساد»، والإيجابي حتى لو كان تابعاً للنظام السابق سيظلّ في مكانه لأنه لم يخالف القوانين. لا مشكلة لدينا في المشارب الفكرية، لكن يهمنا ألا يعرقل أي أحد عمل الدولة الجديدة.

هل بدأت فتح ملفات الفساد في وزارتكم؟
نعم بدأنا، ومثلاً الآن يتابع المستشار القانوني الاتهامات في قضايا الحجّ والعمرة، وكذلك وزارة العدل. مهمٌّ مثلاً شرح آلية العمل لدى النظام القديم، فقد أُنشئت هيئة تُسمى «الحج والعمرة»، تتبع فنياً للوزير لكن إدارتها وماليتها منفصلتان، وأمينها العام كان يُعيّنه الرئيس السابق (عمر البشير). سنة 2012، ألغي قرار الهيئات، وصارت إدارة مستقلة، وهو ما فتح الباب للفساد، لكنه كله كان في الأعوام السابقة. المشكلات التي تواجهنا متنوّعة. مثلاً اكتشفت أن الأوقاف تعمل بـ19 قانوناً مختلفاً لولايات الدولة الـ18، أي كل ولاية لديها قانون خاص بها إضافة إلى القانون العام. السبب أن اتفاقية 2005 للسلام قالت إن الدين شأن ولائي، أي أن كل ولاية لها قانون تؤطر به الدين. أنا شخصياً إذا أردت دخول الولايات لا أستطيع إلا بإذن من الوالي. هذه القوانين تقيّد عمل الوزير، والنظام السابق صنعها ليفعل كل والٍ ما يريد. أيضاً، أنا غير قادر على إدارة الأوقاف في ولاية الخرطوم. والأوقاف القومية التي استلمْتُها لا تضمّ مجمع الذهب ولا مسجد الخرطوم ولا مسجد أم درمان ولا قاعة الصداقة ولا فنادق ولا أراضيَ... هذه كلها صارت تابعة للخرطوم. الآن سأحاول إنهاء ملف الأوقاف القومية ثم ملف الولايات.

هناك «أجسام موازية» تقوم بعمل شبيه لوزارة الشؤون الدينية


كذلك، جئت ووجدت وزارة فيها وزير في أعلى الهيكل وتحته أربعة أعمدة: الذكر والذاكرون والأمانة العامة للدعوة وهيئة/إدارة الحجّ والعمرة والأوقاف والأمانة العامة للدعوة والإرشاد. وهناك 17 أو 18 جسماً مترهّلاً تحتها، ومن هذه الأجسام المجلس الأعلى للدعوة وهو تابع للرئاسة ويُعيّنه الرئيس، لكن الأخطر هو «الذكر والذاكرون» المنفصل عملياً، وهذا أُسِّس في سنة 1992 لتجميع الطرق الصوفية، لكن الأخيرة خرجت منه وصنعت أجساماً أخرى بموارد مالية مستقلة. أيضاً، هناك هيئة علماء السودان التي تُفتي للرئاسة... إلخ. الآن المجلس السيادي ومجلس الوزراء حصرا ممتلكات هذه الأجسام ويعيدان هيكلتها.

وماذا عن المناهج الدينية في المدارس؟
لدينا مع وزارة التربية والتعليم قطاع التنمية. قرّرنا تغيير المناهج الإسلامية والمسيحية. هذه دولة مدنية، لذلك لا بدّ من حذف قضايا الغلوّ والتطرف، وضبط الخطاب.

احتفال المولد النبوي على الأبواب، وعادة ما يحدث صراع بين أنصار السُّنَّة والصوفية. ما احتياطاتكم هذه المرة؟
تحاورت مع كثير من الجماعات والطوائف والكيانات الدعوية. يجب أن يكون هناك سلام وإدارة للتنوّع وضبط للخطاب الديني. بدأت بأنصار السنة ووجدتهم ينتهجون نهجاً وسطياً. كذلك أهلنا وساداتنا الصوفية لمّا زرتهم وجدت عندهم أدباً جمّاً واعتدالاً. كلهم على اتفاق على أن يمضوا معاً في الدولة الجديدة. نعمل على ملتقى قريب جداً للجماعات قبل المولد لكتابة ميثاق شرف. نحن جرّبنا منهج النظام السابق 30 عاماً، وهو لن يتكرر.

هل أنت خائف من بقايا النظام السابق؟
عملوا في الميديا على اغتيالي معنوياً. كنت ضد النظام السابق واعتُقلت وضُربت، لكن لديّ حصانة وسأمضي. هناك من يحاول وضع العراقيل، وما يُريحني أن الفرق والجماعات والطوائف متفقة معي. وقد أوضحت لهم الموقف: هذه الوزارة لكم، وقريباً سنكوّن مجلساً استشارياً يضمّ الجميع.

النظام السابق خلّف الفوضى ولا أستطيع دخول الولايات بسهولة


هل إغلاق الحدود مع ليبيا سببه الخوف من «داعش»؟ وهل أنتم جزء من هذا القرار؟
لا، أبداً. إغلاق الحدود له علاقة بالتأمين والشؤون الخارجية. قضية الغلوّ والتطرف منهج موجود أصلاً في السودان. النظام السابق خلق هذا التطرف بسبب الضغط على الأقليات واستقبال إرهابيين، وأحياناً صدور فتاوى غريبة فضلاً عن كتم الحريات. نحن بصدد عمل ورش مكثفة لرفع قدرات أئمة المساجد، والعمل على إحلال السلام وإنهاء الحرب، وتحريم قتل النفس، وقبول الآخر. هذه الورش ستكون في المركز والولايات، وستقام أيضاً في ولاية الخرطوم. سنُجري حواراً جادّاً مع الشباب بلغة عصرية، خاصة مع من قرّر أن يُلحد أو يذهب بعيداً عن الأديان. الدولة السابقة انتهجت الإسلام لكنها لم تطبّق الإسلام الصحيح.

كيف كانت أجواء زيارتك الكنيسة الأسقفية؟
حتى لو حدث اضطهاد لإخواننا المسيحيين في وقت ما، يجب أن يُنصَفوا في دولة العدالة الجديدة. سنمضي معاً وهم على أتمّ الاستعداد لذلك. نخطط لمؤتمر للتسامح الديني على أن يكون دولياً.

وزير الشؤون الدينية والأوقاف السودانية