أطلقت الولايات المتحدة الأميركية دينامية خاصة هدفها عزل إيران في منطقة الخليج. وطلبت واشنطن من السعودية والإمارات القبول بحلول جزئية لوقف إطلاق النار في اليمن، بما يسمح بإقفال الجبهة اليمنية أمام أي مناورة إيرانية، ودون إفساح المجال أمام «أنصار الله» لتعزيز قوتهم.

وعلمت «الأخبار» أن المقترح الأساسي الذي حمله الموفدون الأميركيون إلى السعودية، غداة هجوم «أنصار الله» على مواقع في شركة «أرامكو»، استند إلى تقييم للعملية العسكرية النوعية، لجهة أن اتهام إيران بالمسؤولية لا يكفي لإقفال الملف. لأن التنفيذ لم يتم من قبل إيران، حتى ولو كانت الأسلحة إيرانية، وأن قيام «أنصار الله» بالتنفيذ، ولو بدعم من مستشارين إيرانيين، يعني أن وقف هذا النوع من العمليات يتطلب إما تغييراً في الاستراتيجية السياسية أو شن حرب واسعة.

أدّت هذه العملية إلى تغييرات كبيرة عند جميع الأطراف، ما فتح الباب أمام مقاربة جديدة (أ ف ب )

ووفق آلية العمل المباشرة التي يعتمدها فريق الرئيس دونالد ترامب، فهم السعوديون، وكذلك الإمارات العربية المتحدة، أن واشنطن لا تدعم تصعيداً بالعمليات العسكرية في ظل غياب ضمانة الفوز أو تعديل جوهري في ميزان القوى، وأن الولايات المتحدة سوف تساعد في تعزيز القدرات الدفاعية للسعودية، لكنها تدعم الانتقال إلى استراتيجية جديدة عنوانها «سحب الورقة اليمنية من يد إيران ومحور المقاومة».
وشرح مصدر معني بالاتصالات لـ«الأخبار» حقيقة ما يجري بالآتي:
«منذ شهور عدة، تحاول أطراف في قوى العدوان إقناع السعودية بإعداد استراتيجية للخروج من الحرب، مع سعي لتحصيل مكاسب سياسية تغطي قراراً كبيراً بهذا الحجم. وقد بادر الأميركيون من دون انتظار موافقة الرياض إلى البعث برسائل إلى أنصار الله بواسطة عُمان. وعقدت في مسقط لقاءات هدفت إلى توفير أرضية لحصول اتصال مباشر بين مندوبين أميركيين ومسؤولين من أنصار الله.
الحوثيون الذين لا يرفضون مبدأ الحوار لأجل التوصل إلى وقف العدوان، أبلغوا الجانب العُماني أنهم لا يبحثون عن صورة للقاء مع مسؤولين أميركيين، وأن أي اتصال لمجرد الاتصال لن يحصل من دون مقابل وازن. وحدد الحوثيون مطلبهم بقسمين:
ــــ فك الحصار الاقتصادي والإنساني عن اليمن، من خلال إعادة الحياة إلى مطار صنعاء وتشغيل ميناء الحديدة من دون قيود، والسماح بوصول جميع أشكال المساعدات الإنسانية والطبية ونقل الجرحى إلى خارج اليمن. وهذا هو الحد الأدنى الذي يقبل به الحوثيون مقابل حصول الاتصال المباشر مع الوسيط الأميركي.
ــــ وقف شامل لإطلاق النار والشروع في خطوات عملانية لوقف العدوان على اليمن، مقابل وقف العمليات العسكرية من جانبهم في العمق السعودي».
يتابع المصدر: «فهم الأميركيون أن لا إمكانية لإطلاق مناورة سياسية بحجة وقف إطلاق النار. وبادروا إلى البحث مع السعوديين في إمكانية الشروع في خطوات عملية. لكن القيادة السعودية فكرت بأنه يمكن تعديل الواقع على الأرض، وأن سلسلة مواجهات على الحدود وفي بقية الجبهات لم تحقق أي نتيجة، في وقت اندلعت فيه الأزمة جنوباً».
قررت «أنصار الله»، مع حلفائها، إعداد مبادرة لإفقاد الخصم أوراق المناورة


ويضيف: «في هذه الأثناء، كانت دولة الإمارات العربية تسعى إلى فتح كوة تتيح لها خروجاً متدرجاً من الحرب. وقصد الإماراتيون طهران مرات عدة، طالبين المساعدة في تنظيم خروجهم بطريقة تحفظ لهم وجوداً واضحاً ولو على شكل سياسي. وكانوا يتحدثون صراحة عن أنهم يريدون الاحتفاظ بنفوذهم الكبير داخل عدن. وكان جواب إيران أن على الإمارات المبادرة إلى خطوات عملية، وإلى التوجه مباشرة صوب أنصار الله لعقد التسوية. فأعلنت أبو ظبي انسحاب قوات لها من الساحل الغربي، ثم عمدت إلى تفكيك منظومة صواريخ باتريوت في مأرب، قبل أن تطلب من جماعتها في الجنوب إطلاق عملية السيطرة الشاملة على عدن ومناطق جنوبية أخرى. وهو ما استفز السعوديين وعَدُّوه خيانة، الأمر الذي تطلّب تدخلاً أميركياً جمّد الخطوات الإماراتية، على خلفية أن انسحاب الإمارات يعني نهاية التحالف المشكل للعدوان على اليمن، وإعلان الهزيمة أمام الحوثيين. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمارات أبلغت الإيرانيين أنها ليست في وضع يسمح لها بالتواصل المباشر مع الحوثيين. وهي لن تقدم على خطوة من هذا النوع الآن.
عملياً، فشلت الوساطة الإماراتية وفشلت المحاولة الأميركية الأولى، وفشلت مساعي السعودية بشن معارك كبيرة رابحة. وكان البديل عند قوى العدوان تصعيد الأعمال العسكرية العشوائية وتشديد الحصار على المناطق الشمالية من خلال احتجاز سفن تحمل نفطاً ومساعدات غذائية كانت تتجه صوب الحديدة، الأمر الذي دفع بأنصار الله إلى قرار بتصعيد الردود المقابلة».
وفي لحظة إقليمية مناسبة، تحاكي الحصار الأميركي على إيران ودول وقوى محور المقاومة، جاءت عملية «أرامكو». وقد نفذت بطريقة حملت مجموعة كبيرة من الرسائل. والتي كانت الولايات المتحدة أول من تلقاها جملة وتفصيلاً. وأدّت هذه العملية إلى تغييرات كبيرة عند جميع الأطراف، ما فتح الباب أمام مقاربة جديدة.
ويقول المصدر: «بادر الأميركيون إلى القول بأن ضربة أرامكو تمثل احتجاجاً من جانب الحوثيين على عدم نجاح المساعي لوقف الحرب عليهم، وتمثّل رداً إيرانيا واضحاً وقاسياً على برنامج العقوبات القائمة ضدها. ووجد الأميركيون أنه في ظل القرار الكبير بعدم الدخول في مواجهة عسكرية كبيرة مع إيران وحلفائها في المنطقة، فإن البديل خلق استراتيجية هدفها الأساسي منع إيران من استغلال الجبهة اليمنية في إطار معركتها مع أميركا ودول الخليج. ووجد الأميركيون أن الأمر يتم من خلال تبريد الجبهة اليمنية، وبالتالي سحب الذريعة القائمة بسبب الحرب من يد إيران ومنعها من إعداد هجمات أكبر ضد السعودية أو ضد أهداف نفطية في العالم. وزاد في حماسة الولايات المتحدة معلومات استخبارية عن احتمال تعرض ناقلات نفط في البحر الأحمر وفي بحر العرب لضربات بحجة الرد على الحصار القائم على اليمن».
وبحسب المصدر، استغل الأميركيون «واقع الجبهات على الأرض، بعد العملية الكبيرة التي أدت إلى استسلام أكثر من 2000 مقاتل يمني (بينهم 25 ضابطاً وجندياً سعودياً) لقوات أنصار الله. ثم مبادرة عدة كتائب من القوات الجنوبية اليمنية إلى الاستسلام لقوات أنصار الله، وامتناع آخرين عن القتال على الجبهات احتجاجاً على ما يجري في الجنوب من صراع بين القوات الموالية لعبد ربه منصور والقوات الموالية للإمارات العربية المتحدة. وعمد الأميركيون إلى الاتصال بالسلطات في مسقط، طالبين جسّ نبض الحوثيين لاتفاق».
وبحسب المصدر: «قررت قيادة أنصار الله، بالتشاور مع حلفائها، إعداد مبادرة تهدف إلى إفقاد الخصم كل أوراق المناورة، وتفتح الباب أمام استثمار الضربات النوعية لأجل إنهاء الحرب. وجاءت المبادرة بوقف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على السعودية، لكن مقابل مبادرة سعودية كبيرة تجاه صنعاء والمطار والحديدة، وفتح الطريق أمام مفاوضات هدفها السريع وقف الحرب من دون أي شروط. لكن الطرف الآخر لم يقبل بهذه الصيغة. وعرض في المقابل هدنة جزئية تقضي بوقف الضربات العسكرية على مدينة صنعاء، وتقليص حجم الغارات في مناطق أخرى، والسماح لعدد من السفن المحملة بالنفط والبضائع بالدخول إلى الحديدة».

عمد الأميركيون إلى الاتصال بمسقط طالبين جس نبض الحركة لاتفاق


تقول المعلومات إن ايران و«أنصار الله» وحزب الله وبقية أطراف المحور، كانوا على تشاور دائم حول ما يجري، وواضح بالنسبة إليهم أن الهدف هو وقف العدوان بصورة كاملة ومن دون شروط سياسية، وإفشال المحاولة الإماراتية لتقسيم اليمن. وبالتالي، قرّرت «أنصار الله» أن المبادرة لن تعيش ما لم تُحَط بكل جوانب الحرب. وهم أبلغوا سلطات مسقط موقفهم، وخصوصاً أنهم كانوا قد جربوا قبل ذلك محاولات قام بها البريطانيون بتكليف من الإمارات وغطاء أميركي، وكذلك وساطة جزئية قام بها رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، وكانت النتيجة واحدة: الكل يرمي بالمسؤولية على الطرف الآخر، ولا أحد يريد اتخاذ قرار كبير بوقف الحرب نهائياً.
وفي هذا السياق، عززت قوات «أنصار الله» نشاطها العسكري على الحدود مع السعودية، ونفذت سلسلة عمليات ناجحة. كما سارعت إلى توسيع دائرة الاتصال مع القبائل والقوى اليمنية في المحافظات الواصلة بين الجنوب والشمال، وحث الجنوبيين على مقاومة مشروع الإمارات في تقسيم اليمن. ويحكى هنا، عن دور غير معلن تقوم به تركيا وقطر مع حزب «الإصلاح» (الفرع اليمني من «الإخوان المسلمين») لأجل إخراجه من تحت العباءة السعودية، ورفع مستوى الاعتراض على برامج الإمارات في الجنوب. وهو ما استفز الجانب الإماراتي أكثر، ودفعه إلى الكشف عن كونه لم يقم عملياً بأي انسحاب حقيقي، بل عاد ليمارس سلطته الاحتلالية كاملة في الجنوب.
وفي هذا السياق، جاء الإنذار المباشر لدولة الإمارات العربية، وقد تم نقله مباشرة إلى الجانب الإماراتي عبر طرف ثالث. وهو إنذار يقول صراحة إن على الإمارات أن تتحمّل مسؤولية مشاركتها في الحرب وعدم جرأتها على اتخاذ قرار بالانسحاب من الحرب. وإن المقايضة شديدة البساطة: إما الشروع في خطوات عملانية للخروج من الحرب، وإما انتظار ضربة مؤلمة. وبحسب المصدر، فإن «القرار بتوسيع الضربات القاسية والنوعية ضد السعودية، أو ضد الإمارات، سوف يظل قائماً، وسيتم اختيار التوقيت والطريقة الملائمَين لتنفيذ هذه الضربات».
أمس، عرضت قناة «الميادين» شريطاً مصوراً لسفن تنقل مقاتلين إلى السواحل الغربية، في رسالة تثبت استمرار تورط الإماراتيين في العدوان. وهو شريط يشير بوضوح إلى أن ما تقوم به الإمارات تحت المراقبة والمتابعة اللصيقة، وأن الإمارات، دولة ومنشآت حيوية ومؤسسات عسكرية، باتت على المهداف. ولم يعد هناك مجال للمناورة، وأن مهلة الإنذار تقترب من لحظة النهاية!