الخرطوم | منذ تشكيل الحكومة السودانية الانتقالية مطلع الشهر الجاري، استقبل مطار الخرطوم مسؤولين أوروبيين لم يأتِ مثلهم منذ ما يقارب عشرة أعوام. زحمةٌ ترى أوساط سياسية أنها أمر اعتيادي، خاصة في ظلّ الرغبة الأوروبية في فتح صفحة جديدة مع السودان، تحت عنوان «دعم المسار الديموقراطي» الذي افتتحته «ثورة ديسمبر»، بعد سنوات طويلة من توتر العلاقات إبان حكم الرئيس المخلوع عمر البشير.

أول الوافدين الأوروبيين كان وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، الذي زار البلاد في الثالث من الشهر الجاري، أي عقب أداء أعضاء «المجلس السيادي»، ومن ثم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، القسم الدستورية. الزيارة الأولى لمسؤول ألماني منذ 2011 أسفرت عن دعم بقيمة 15 مليون يورو، وتركت رسالة برغبة برلين في «استغلال السودان الفرصة التاريخية لتلقي الدعم من المجتمع الدولي». لم يمضِ على زيارة ماس أسبوعان حتى جاء وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، في زيارة هي الأولى من نوعها، معلناً استعداد بلاده للعمل لرفع اسم السودان من قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، وتبرّعها بستين مليون يورو «لإنعاش الاقتصاد السوداني ودعم المرحلة الانتقالية». كما عرض لودريان استعداده لإقناع رئيس «حركة تحرير السودان»، عبد الواحد محمد نور، بالانضمام إلى عملية السلام، ولا سيما أن نور يقيم في فرنسا، وحركته تُعدّ أحد الأسباب الأساسية للتوتر أو الاستقرار في البلاد.

قدّمت ألمانيا 15 مليون يورو وفرنسا 60 مليوناً


وعلى رغم إبداء المسؤولين الأوروبيين بوادر حسن النية، إلا أن مسؤولين سودانيين يرون أن وراء ذلك مصالح أبعد من فكرة «إرساء الديموقراطية». وفي هذا الإطار، يقول وزير المالية الأسبق، التجاني الطيب، لـ«الأخبار»، إن الاقتصادَين الألماني والفرنسي ليسا في وضع جيد، وهو ما يعني أن هذه الزيارات «محاولة استكشاف أوروبية لما يمكن الاستفادة منه كمشاريع في السودان»، محذراً من «الانسياق وراء حلاوة طرف اللسان قبل معرفة ما في المحفظة». لكن المحلل السياسي حاج حمد، يرى أن الزيارات الأوروبية تأتي من باب الحفاظ على المصالح التاريخية المعتادة لهذه الدول والبحث عن أسواق جديدة، كما أنها «تريد تفعيل دور السودان في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، خاصة أنها كانت لا تثق بحكومة البشير».
وبينما كرر الزائرون وعودهم بالعمل على رفع الخرطوم من قائمة «رعاة الإرهاب»، رحّب حمدوك بالمساعي الأوروبية، ولا سيما تلك التي تقوم بها فرنسا، التي سيزورها بعد أن ينهي زيارته لمصر اليوم (الأربعاء)، ويلتقي رئيسها إيمانويل ماكرون، قبيل توجهه إلى نيويورك حيث تُعقد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن مراقبين يبدون تفاؤلاً حذراً في شأن رفع السودان من القائمة المذكورة؛ إذ لا بد من وجود شروط، منها ما ذكره مسؤول في الخارجية الأميركية، عندما ربط ذلك بـ«التزام الحكومة الجديدة بملفات الحريات وحقوق الإنسان وترسيخ أسس الديموقراطية». وربما تكون هناك شروط أخرى غير معلنة، مثلما يعتقد السفير السابق، الرشيد أبو شامة، الذي يلفت في حديث إلى «الأخبار» إلى أن السودان «مهم لأوروبا بحكم موقعه الاستراتيجي في أفريقيا، إضافة إلى أنه غني بالموارد المعدنية والثروات»، مذكّراً بالاستفادة الفرنسية سابقاً من الذهب شرق البلاد. لكن القيادي في «المؤتمر الشعبي»، إدريس سليمان، يرى أنه لا ينبغي التفاؤل بورود مساعدات كبيرة من الدول الغربية لأنها «تركز على الإغاثة أكثر من البرامج التنموية».