الخرطوم | يبحث مدير الأمن والمخابرات السوداني الأسبق، صلاح قوش، عن موطئ قدم في قطار التغيير الذي تجاوزه كما تجاوز حلفاء الأمس في القوات المسلحة و«قوات الدعم السريع»، إذ قال في تصريحات صحافية خلال الأيام الماضية، إن دوره في التغيير «يعرفه الفاعلون الحقيقيون في الحراك على الأرض»، وهم وفق وصفه «جنود مجهولون من لجان المقاومة في الأحياء، وعدد محدود من الفاعلين السياسيين». السبب في ذلك، أي اتخاذه العمل من خلف ستار كما يدعي، أنهم لم يصنعوا التغيير لأنفسهم، «ولا طمعاً في السلطة كما يشيع كثيرون، وإنما أردنا أن نرسي أدباً جديداً حتى تعبر الفترة الانتقالية بسلام».

تصريحات قوش أثارت موجة من الرفض والسخرية في آنٍ واحد لدى السودانيين الذين ذكّروا الرجل بكل تصريحاته أثناء الثورة، حينما كان يتهم الثوار بـ«العمالة لجهات أجنبية»، وبأنهم يحملون الأسلحة وتسبّبوا في حالات قتل. كما سبق له أن حذّر من أن «كل المواكب والتظاهرات مراقبة بالأقمار الاصطناعية»، فضلاً عن أن «هيئة العمليات» في الأمن والمخابرات، التي كانت تحت إمرته، مارست التعذيب والقتل بحق المتظاهرين. ولا يستبعد محللون أن يكون رئيس المخابرات الأسبق يعمل على إلهاء الخصوم بمثل هذه التصريحات في هذا التوقيت عن قضايا خطيرة تتعلق به، بينما يرى آخرون أن قوش وجد نفسه خارج المعادلة بعد أن قلب عليه الطاولة رئيس «المجلس السيادي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فأراد العودة إلى اللعبة لكن بالمراهنة على الشارع الذي اقتلع الرئيس الأسبق عمر البشير، ولا سيما أن «المد الثوري» لا يزال مستمراً.

ادّعى العسكر تأخّرهم في تنحية البشير كي تتزايد أعداد المعتصمين


ربما لا تبدو تصريحات قوش غريبة، فهو بعيد عن كراسي السلطة الآن ويبحث عن موطئ قدم، لكن المستغرب محاولة أعضاء «السيادي» من المكوّن العسكري كسب أرضية جديدة وسط الشارع، وذلك بمحو الصورة السيئة عنهم. فمثلاً خرج عضو المجلس، الفريق أول ياسر العطا، قائلاً إنهم منذ بداية العام الجاري أيقنوا نهاية النظام، وإنهم كانوا يجلسون مع صغار الضباط لطمأنتهم، والأشد غرابة تأكيده أنهم خططوا مع قادة المعارضة للاعتصام في العاصمة. وأضاف العطا: «تأخرنا في الانحياز إلى الشعب حتى تتزايد أعداد المعتصمين، ولنرد على منسوبي النظام السابق بأن هناك ملايين يمكن أن تخرج»!
بينما تدور حلقات تبرئة الذات في المكوّن العسكري، يجري إقصاء أطراف كانت لهم أدوار مفصلية في التغيير الذي حدث في الحادي عشر من نيسان/أبريل الماضي، أي تنحّي رأس النظام، البشير، إذ أعلن البرهان أول من أمس إعفاءات طاولت عدداً كبيراً من الضباط في القوات البحرية والجوية. ووفق مصدر عسكري تحدث إلى «الأخبار»، شملت الإعفاءات غالبية الرتب العليا والوسطى، مضيفاً أن من تمت إقالتهم من الرتب العليا معروفون بولائهم للنظام السابق. لكن ما يثير الشبهة أن الإقالات طاولت ضباطاً من ذوي الرتب الوسطى والصغرى معروفاً عنهم مناهضتهم للنظام السابق وتأييدهم الثورة. وكتب الرائد طبيب سامر عبد القادر، وهو أحد الضباط الذين تمت إقالتهم، أنه تمت إحالته على «الصالح العام بعد 15 سنة في الخدمة في القوات المسلحة، وأنا مفرغ من القوات المسلحة للتخصص الدقيق في جراحة الأوعية الدموية، علماً بأن التخصص مدعوم من القوات المسلحة، وكنت سأكون الأول في هذا المجال، ما يثبت التخبط وعدم المؤسسية في اتخاذ القرار». ويرى متابعون أن هذه الإعفاءات تهدف في الأساس إلى إقصاء المعروفين بتأييدهم للثورة، في حين أن شمول القرار ضباطاً برتب كبيرة من منسوبي النظام السابق كان الغرض منه إيهام الرأي العام ببدء إصلاح المؤسسة العسكرية وتنظيفها من فلول النظام السابق.
إلى ذلك، وفي أول انشقاق عن القوى الموقّعة على «إعلان الحرية والتغيير»، الذي كان من أول بنوده إسقاط نظام البشير، أعلنت «قِرِفنا»، وهي حركة شبابية كانت تناهض البشير منذ 2009، مغادرتها تحالف «الحرية والتغيير». وقالت «قرفنا»، في بيان أمس، إنها عبّرت في وقت سابق عن عدم رغبتها المشاركة في هياكل السلطة الانتقالية، ولهذا «لا ترى سبيلاً أن تكون الخصم والحكم»، مشيرة إلى أن قبول «الحرية والتغيير» وجود قيادات من «المجلس العسكري» في حكومة الثورة من دون محاسبة وتحقيقات يمنعهم من الاستمرار ضمن هذه القوى. أما البديل وفق البيان، فهو العودة إلى «مقاومة انتهاكات المجلس العسكري والضغط عليه ومراقبة التحالف الحاكم».