الخرطوم | بعد مخاض عسير، رأت حكومة عبد الله حمدوك النور كأول حكومة تعقب «نظام الإنقاذ» في السودان. ولعلّ المنعطف السياسي والأمني الذي تمرّ به البلاد في أعقاب زوال نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، جعل عملية التوافق على توليفة سياسية تدير المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها الاقتصادية والسياسية مهمة صعبة، ليطلق كثيرون على تشكيل الحكومة تشبيه الولادة القيصرية. يوم أمس، أقرّ «المجلس السيادي» مراسيم دستورية باعتماد 18 وزيراً دفع بهم حمدوك بعد ارتباك وصمت صاحبا عملية الاختيار، واستمرا حتى قبيل إعلان التشكيلة الحكومية بساعات. ويرجح مراقبون أن غياب رئيس الوزراء المكلف لسنوات خارج البلاد جعله غير محيط بالخلفيات السياسية والعلمية للمرشحين، ما يزيد فرضية استعانته بمساعدين في عملية التنقيح، وهو ما تسبب بظهور مخاوف من أن تكون عملية الاختيار قد خضعت لأمزجة أشخاص كثر أشرفوا عليها، الأمر الذي يفسر أيضاً ظهور عدد كبير من القوائم الحكومية خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة.

وأعلن حمدوك حكومته في وقت متأخر من مساء أمس، وهي مكونة من 18 وزيراً، مرجئاً وزارتي الثروة الحيوانية والبنى التحتية إلى حين اكتمال التشاور حولهما. ووفق ما ذكر رئيس الوزراء خلال المؤتمر الصحافي، فإن سبب تأجيل اختيار مرشحين للوزارتين المذكورتين هو مراعاة تمثيل إقليمَي النيل الأزرق والشرق. وقال حمدوك إن «أهم أولويات المرحلة الانتقالية تحقيق العدالة، لأنها وثيقة الصلة بعملية السلام، وكذلك إيقاف الحرب وبناء السلام المستدام»، مؤكداً أن «قوى الكفاح المسلح جزء أصيل من الثورة السودانية»، مبدياً حرصه على «معاش الناس وبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج». وأعلن رئيس الوزراء عن المرسوم الدستوري الرقم 3 لسنة 2019، والذي تم بموجبه تعيين عمر بشير منيس وزير مجلس الوزراء، جمال الدين عمر وزيراً للدفاع، الطريفي إدريس للداخلية، أسماء محمد عبد الله للخارجية، نصر الدين عبد الباري للعدل، إبراهيم أحمد البدوي للمالية، محمد الأمين التوم للتربية والتعليم، انتصار صغيرون للتعليم العالي، مدني عباس مدني للتجارة والصناعة، فيصل محمد صالح للإعلام، أكرم علي التوم للصحة، عادل علي إبراهيم للطاقة والتعدين، ياسر عباس للري والموارد المائية، عيسى عثمان شريف للزراعة، ولاء البوشي للشباب والرياضة، لينا الشيخ للعمل والتنمية، نصر الدين مفرح للشؤون الدينية، ويوسف آدم الضي للحكم الاتحادي.

البرهان: الجيش سيبتعد عن العمل السيادي وأجهزته موحّدة


الشارع السوداني لا يبدو متفائلاً كثيراً بالتشكيلة، ولا سيما مع وجود وزراء وقع الاختيار عليهم من باب توزيع الحصص الإقليمية والجندرية، كما تحوم الشكوك حول آخرين وانتمائهم إلى النظام السابق. وأعاب مراقبون على رئيس الوزراء المكلف إبعاد المرشح لوزارة الخارجية عمر قمر الدين، على رغم كل مؤهلاته العلمية والعملية، وأيضاً ترشيح أسماء محمد عبد الله لـ«الخارجية». فعلى رغم ترحيبهم بها كونها امرأة، إلا أن تركها العمل الدبلوماسي في وقت مبكر من حياتها العملية يثير شكوكاً في مقدرتها على قيادة وزارة حساسة، في وقت تشهد فيه علاقات السودان الخارجية تدهوراً كبيراً لازم النظام السابق، وهي تحتاج إلى عمل كبير لإعادتها إلى مسارها الصحيح، مع الاحتفاظ بمبدأ المصالح المشتركة في بناء علاقات العهد الجديد. ويقول مصدر دبلوماسي رفيع، في حديث إلى «الأخبار»، إنه كان يُؤمل أن يقود دفة العمل في «الخارجية» أحد الكوادر الشبابية، مشيراً إلى أن الوزيرة المرشحة فُصلت من العمل في هذه الوزارة مع بداية عهد «الإنقاذ» مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ضمن سياسة الفصل التعسفي التي كانت تنتهجها «الإنقاذ». ويضيف: «ربما تكون عبد الله قد وصلت في تدرجها الوظيفي لدى فصلها إلى درجة مستشار، ما يعني أنها لم تكتسب الخبرة الكافية في العمل الدبلوماسي».
في غضون ذلك، حاول رئيس «المجلس السيادي»، عبد الفتاح البرهان، الطمأنة مجدداً إلى أن «القوات المسلحة ستبتعد عن العمل السياسي، وستعمل على تعزيز قدراتها». وقال البرهان في خطاب خلال حفل تخريج دفعات من الكلية الحربية وكلية علوم الطيران أمس، بحضور قادة الجيش، إن «بلادنا تَسْتَشرِف عهداً جديداً تكون فيه القوات المسلحة بعيدة عن الاستقطاب والعمل السياسي، حفاظاً على استقلاليتها، وتعمل فيه على تعزيز مقدراتها في حماية البلاد... ستظل القوات المسلحة قومية وهي تمثل رصيد الثورة ودرعها الحامية». ورأى أن «هناك حملة تستهدف الجيش بغرض الفتنة، وكذلك محاولة التفرقة بين القوات النظامية (دون توضيحات)»، مستدركاً: «نؤكد أن القوات النظامية موحدة، ومن المستحيل الوقيعة بين مكونات المنظومة الأمنية بالبلاد».
إلى ذلك، أعلنت «الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، عزمها على الدخول في مفاوضات مع الحكومة الانتقالية للوصول إلى «اتفاق عادل يخاطب جذور المشكلة، ويضع نهاية منطقية للحرب في البلاد». جاء هذا في بيان صادر أمس عن الحركة التي لم يسبق لها خوض مفاوضات مع الحكومة من أجل السلام منذ تمردها عام 2011. واعتبر البيان، الذي لم يشرح ملابسات قرار الدخول في المفاوضات وتوقيته، أن «التوقيع على الإعلان السياسي والدستوري، وتكوين هياكل السلطة، يمثلان خطوة مهمة ويمكن أن يقودا إلى السلام».