الخرطوم | على رغم ارتفاع أصوات رافضة لأصل الشراكة مع العسكر، وأخرى مشككة في جدية التفاهم معهم، تواصلت الاحتفالات في السودان بتوقيع كلّ من المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير» على الوثيقة الدستورية أول من أمس في حفل حمل عنوان «فرح السودان»، نُظر إليه لدى قطاعات واسعة من الشارع على أنه إيذان بعهد ديمقراطي جديد، يسوده حكم القانون، ويكون فيه الجميع سواسية في الحقوق والواجبات. لكن التفاؤل الكبير بأن يثمر الحراك الشعبي أخيراً تنمية ورخاءً للبلاد، عكّرت صفوه معطيات عديدة، على رأسها الغموض الذي لا يزال يلفّ مصير العشرات من المفقودين إبان شهور الحراك، وخاصة عقب مجزرة فضّ اعتصام القيادة العامة. ويُحمّل الشارع مسؤولية سلامة أولئك المفقودين للمجلس العسكري الذي لم يعلن اتخاذ أي إجراءات في اتجاه البحث عنهم. وبمعزل عن المطالب التي لا تزال معلّقة، يرى محلّلون أن الحشود التي خرجت أول من أمس، أوصلت رسائل قوية إلى شريكَي الفترة الانتقالية، مفادها أن التظاهر للمطالبة بالحقوق أضحى طريقاً خبروا دروبه، وأن الوعي بالحقوق الذي تشكل لدى المواطن السوداني بعد «الثورة» يحول بينه وبين «تقديس» الأفراد والكيانات. وفي هذا الإطار، يحذر مراقبون «قوى الحرية والتغيير» من تجاهل رغبات الشارع، لأنها ستجد نفسها والحال هذه في موقف العدو الرقم واحد.

وبعيد التوقيع على «الوثيقة الدستورية»، لا يزال الشارع السوداني يعيش حالة من الترقب والحذر في ما يخص شغل المقاعد الخمسة المخصصة للمدنيين في المجلس السيادي، في مقابل حالة من التخبط والإرباك تعيشها «قوى الحرية والتغيير» التي لم تحسم أمر ترشيحاتها بعد. وخرجت أمس قائمة جديدة لمرشحي التحالف المعارض، بعد رفض المرشح عن «تجمع المهنيين» محمد التعايشي، واستقالة العضو في التحالف فدوى عبد الرحمن طه على خلفية إبعاد التعايشي. وضمّت القائمة الجديدة كلّاً من عائشة موسى، وصديق تاور، وحسن شيخ إدريس، وطه عثمان إسحق، ومحمد الفكي. كذلك، رشحت أنباء عن دفع «الحرية والتغيير» بثلاثة مرشحين مسيحيين لشغل المقعد الـ11 في «السيادي»، أبرزهم الدكتورة أميرة ديمتري، فيما أفادت مصادر مطلعة، «الأخبار»، بترشيح المجلس العسكري شخصيتين مدنيتين لهذا المقعد، بهدف التفاوض في شأن اسمَيهما مع التحالف المعارض.
وفي هذا الإطار، تسري مخاوف من استحواذ المجلس العسكري على المجلس السيادي، تماماً مثلما استحوذ سابقاً على عضوية لجنة التفاوض مع قوى «الحرية والتغيير». ونتيجة لحالة الإرباك التي وسمت المشهد السياسي خلال الساعات الـ24 الأولى بعد التوقيع على «الوثيقة الدستورية»، أرجئ حلّ «العسكري»، الذي كان مقرراً يوم أمس (18 آب/ أغسطس)، إلى حين اكتمال تشكيل «السيادي»، الذي سيترأّسه، وفقاً لمصدر عسكري تحدث إلى «الأخبار»، رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، خلال الفترة الأولى الممتدّة على 21 شهراً. ويسود اعتقاد لدى البعض بأن الرتب العليا في الجيش أبدت استسلاماً لـ«العسكري»، ولم تتجرّأ على إبداء رأيها في ترشيحاته لـ«السيادي»، في حين يبدي عدد من الناشطين تحفّظهم على كون المرشحين المدنيين أساتذة جامعيين، بينما تقتضي المرحلة من وجهة نظرهم مدنيين يمتازون بالشراسة، لمقارعة المكوّن العسكري.

حاول قادة الحراك طمأنة الجمهور إلى أن السياسة الخارجية ستكون مبنيّة على المصالح العليا


وفيما حاول قادة الحراك طمأنة الجمهور إلى أن سياسة السودان الخارجية ستكون مبنيّة على المصالح العليا للبلاد، بدا واضحاً أن بوصلة السودان كدولة تقع في العمق الأفريقي ستكون نحو أفريقيا بمنظماتها الإقليمية، وبدولها التي تتشارك مع خمس منها حدوداً طبيعية. ويرى محللون أن الدول العربية، لا سيما منها المحور الخليجي زائداً مصر، أدركت جيداً خلال مشاركة ممثليها في حفل التوقيع رفض الشارع لتدخلاتها في شؤون البلاد الداخلية، كما أدركت أن سيطرة العسكر الموالين لها على رئاسة الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية لن تضمن لها مصالحها من دون متاعب. ومن هنا، يعتقد هؤلاء أن تلك الدول ستعيد ترتيب ملف علاقاتها مع السودان خلال الفترة المقبلة، سعياً إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع الخرطوم، وأخذاً في الاعتبار أن الأمور لم تعد كما كانت إبان عهد النظام البائد، لناحية وجود حراك شعبي راهناً لا يبدو أنه سيتراجع قبل تحقيق مطالبه.