لا تزال تداعيات جريمة الأبيّض (الاثنين الماضي) تلقي بظلالها على المشهد السياسي، في ظلّ تباين المواقف بين مكونات قوى «الحرية والتغيير»، التي يرفض بعضها المشاركة في المفاوضات بسبب تعنت العسكر في تسليم السلطة، واستمراره في ممارسة العنف ضد المتظاهرين، مثل «الحزب الشيوعي السوداني»، وينتظر بعضها الآخر الجلوس إلى الطاولة باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق «اختراق» سياسي، مثل «تجمّع المهنيين السودانيين»، فيما تلتزم بقية المكونات السياسية الصمت حتى الآن. وبين هذا وذاك، ثمة نقاط كثيرة متفق عليها داخل التحالف، لعلّ أهمها محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت منذ إطاحة الرئيس المخلوع عمر البشير، وبالتالي، المطالبة بتحقيق مستقل، ورفض النقاط التي يصرّ عليها العسكر في الوثيقة الدستورية، التي من شأنها حماية أعضاء «المجلس السيادي» المشترك. لكن «العسكري» لم يكتفِ بمحاولة التملص من مسؤوليته عن جريمة الأبيّض، بل بات يتهم بعض قوى «الحرية والتغيير» بالمشاركة في محاولة الانقلاب الأخيرة، «إضافة إلى حزبَي الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني»، بحسب ما قال رئيسه، عبد الفتاح البرهان، أول من أمس، في محاولة على ما يبدو لقلب الطاولة على مكوّنات دون أخرى، وتفتيت التحالف المعارض.

تحالفٌ ليس «تجمع المهنيين»، الذي يجدول الاحتجاجات، قوة الثقل الوحيدة داخله، بل يبرز إلى جانبه «الشيوعي»، أكبر أحزاب «قوى الإجماع الوطني» المشاركة في «إعلان الحرية والتغيير»، كقوة مؤثرة بمواقف التحالف، ليس على مستوى المكونات الخمسة الكبرى فحسب، بل أيضاً على مستوى الأحزاب والتنظيمات المشكّلة لها، بالإضافة إلى الحركات المسلحة. وقد بدا ذلك واضحاً حين رفض «الشيوعي» «الاتفاق السياسي» الموقّع من قِبَل ممثل «تجمّع المهنيين» نيابة عن قوى التحالف من دون موافقتها، لتتبعه في موقفه هذا «الجبهة الثورية» التي تضمّ حركات مسلحة متحالفة مع «نداء السودان»، و«شبكة الصحافيين السودانيين» أحد مكونات «تجمع المهنيين»، ما أدى إلى إسقاط «الاتفاق» أخيراً، بعد جلوس مكونات «الحرية والتغيير» حول طاولة مستديرة، واتفاقها على تقديم مسودة اتفاق سياسي ودستوري جديد وموحد، لا يزال مصيرها رهن استئناف المفاوضات.

طالب «الشيوعي» بحلّ كل الميليشيات، بما فيها قوات «الدعم السريع»


بحسب «تجمع المهنيين السودانيين»، من المنتظر أن تُستأنف المفاوضات اليوم (الخميس)‎. لكن «الحزب الشيوعي» بات يرفض عقب الجريمة «المواصلة في عملية التفاوض التي تشرف عليها الوساطة الإفريقية... والمشاركة في الهياكل الحكومية التي ستنتج منها»، معتبراً أن «الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي، على رغم كل التعديلات، ما زالت منحازة إلى المجلس العسكري»، بحسب ما أعلن السكرتير السياسي للحزب، محمود الخطيب، أمس، ما يعني أن نتائج المفاوضات، إذا جرت اليوم، ستكون مرفوضة من قِبَل مكونات غير مشاركة فيها، ومن المرجَّح أن يكون مصيرها على غرار «اتفاق الخرطوم». لكن رفض التفاوض مجدداً لن يؤدي إلى خروج «الشيوعي» من المشهد السياسي، إذ أكد الخطيب أنهم «سيعملون على التقدم في المسار الثوري والنضال الجماهيري مع كل القوى السياسية»، وذلك قبل ساعات من تظاهرات حاشدة منتظرة اليوم، تنديداً بأحداث الأبيّض، دعا إليها «تجمع المهنيين» تحت شعار «القصاص العادل»، في العاصمة الخرطوم وباقي مدن البلاد بمشاركة قادة قوى «الحرية والتغيير». وهي تظاهرات تستكمل أخرى اندلعت منذ وقوع الجريمة، وآخرها أمس، حين خرج المئات في شوارع الأبيّض، بالتزامن مع وجود طوابير من الرجال والنساء أمام مخابز المدينة بحثاً عن الخبز وغيره من السلع التي أصبحت شحيحة، والتي هي الدافع الرئيس وراء تظاهرة الطلاب يوم الاثنين الماضي.
وفي ظلّ محاولة «العسكري» طيّ صفحة جريمة الاثنين والجرائم السابقة، ولا سيما جريمة فضّ الاعتصام، بتحقيق منحاز إلى «لجنة تقصي الحقائق»، أعلن الخطيب، أيضاً، رفض حزبه نتائج لجنة التحقيق في أحداث فضّ الاعتصام قبل نحو شهرين، معتبراً أن «اللجنة موصوفة بالمستقلة، لكن دورها طمس الحقائق وتبرئة القتلة الحقيقيين». وبينما يتهم المتظاهرون قوات «الدعم السريع» التي يقودها نائب رئيس «العسكري»، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، بقتل الطلاب الثمانية في الأبيّض، طالب «الشيوعي» بحلّ جهاز الأمن والاستخبارات وكل الميليشيات بما فيها قوات «الدعم السريع».
وليست الجرائم التي ترتكبها هذه الميليشيا ضد المتظاهرين هي وحدها التي لطّخت سمعتها، بل تنضمّ إليها أيضاً المشاركة في الحرب على اليمن تحت قيادة التحالف السعودي منذ ما يقارب خمس سنوات. وبينما أكد البرهان «بقاء القوات السودانية في اليمن، باعتبار أنها موجودة ضمن اتفاقية مع قوات التحالف السعودي الإماراتي، ولا جديد في هذا الموضوع»، اتهمه «الشيوعي» بالعمل «من أجل محور معين، وليس للسلام»، علماً أنّ هذه المشاركة تُعدّ إحدى أهم النقاط التي دفعت الأخير إلى رفض «اتفاق الخرطوم»، الذي أبقى على اتفاقيات النظام السابق الدولية والإقليمية «التي تمسّ السيادة الوطنية»، بحسب بيان اللجنة المركزية لـ«الشيوعي» في حينه.