لم تكتفِ السلطات البحرينية بإعدام الشابّين أحمد الملالي وعلي العرب، بل ألحقت بهما شهيداً ثالثاً بقمعها التظاهرات الغاضبة التي خرجت في البلاد عقب انتشار نبأ الإعدام. إنه الشاب محمد إبراهيم المقداد، شقيق المعتقل السياسي حسين إبراهيم المقداد. كان محمد من ضمن المحتجّين الذي انطلقوا مساء السبت في شوارع منطقة البلاد القديم، تنديداً بإعدام الملالي والعرب، لتُلاقيهم قوات النظام بالغازات السامة والقنابل المسيلة للدموع، ما أدى إلى إصابة الشاب بحالة اختناق، على رغم أنه كان يحاول الابتعاد قدر الإمكان عن موقع تركّز الغازات، بحسب ما أفاد به شهود عيان. وبعدما تأخر وصول الإسعاف جراء محاصرة الأمن للمنطقة، نُقل محمد بسيارة خاصة إلى مستشفى السلمانية، حيث فارق الحياة، في وقت ادعت فيه وزارة الداخلية أن «الوفاة طبيعية وأسبابها مرضية... وليس هناك أي شبهة جنائية».

جاء مصرع المقداد في وقت يعمّ فيه الغضب أرجاء البحرين على خلفية إعدام الملالي والعرب، على رغم كل النداءات التي طالبت السلطات بالامتناع عن ذلك. وكان صدر الحكم بحقهما العام الماضي، خلال محاكمة مع 56 شخصاً آخر أدينوا وصدرت بحقهم أحكام بالسجن في «جرائم إرهابية». ويتهم النظام الشابّين المعدمَين صباح السبت بقتل ضابط شرطة (هشام الحمادي) بسلاح ناري عام 2017، وهو ما تؤكد منظمات حقوقية أن الاعتراف به لم يُنتزع إلا تحت التعذيب، إذ أفادت ثلاث منظمات حقوقية، هي «سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان» و«منتدى البحرين لحقوق الإنسان» و«معهد الخليج للديمقراطية وحقوق الإنسان»، بأن الملالي والعرب تعرّضا لتعذيب شديد، وتلقّيا تهديدات بتصفية أقاربهما، في حال لم يوقّعا على الاعترافات المنتزَعة منهما. كذلك، ذكرت «منظمة العفو الدولية» أن الشابّين تعرّضا «أثناء الاحتجاز للتعذيب على أيدي ضباط الأمن بما فيه الصدمات الكهربائية والضرب»، فيما «تم انتزاع أظافر علي العرب»، الذي كانت كلماته الأخيرة بحسب ما نقلت عنه والدته: «لم أقتل هشام حمادي أبداً، وأنا راضٍ بقضاء الله».
ما يزيد على عامين قضاها العرب في المعتقل، ليبلغ عمره قبيل أشهر قليلة من إعدامه 25 عاماً، وفق ما أفادت به والدته، التي روت تفاصيل اللقاء الأخير بينها وبين نجلها على بعد ساعات فقط من تنفيذ الحكم بحقه، فقالت: «كان سعيداً بأنه يحتضننا من دون حاجز زجاجي بعد كل هذه الفترة الطويلة من الفراق... وضع عينيه في عيني وقالي لي بهدوء شديد: أمي لا تجزعي، الشهادة أمنيتي وقد تحققت». بدوره، ذكر شقيقه أنه سأل علي عن حقيقة ما اتُهم به، «فردّ عليّ: أبداً ليست لي علاقة بمقتله (يقصد هشام الحمادي)، أنا لا أعرفه ولا أعرف حتى موقع الحادثة».
أما أحمد الملالي فلم يتجاوز عمره لدى إعدامه 24 عاماً، بعدما قضى قرابة عامين في السجن منذ تم اعتقاله. هكذا، «لم يهنأ بحياة، ولم يستطع الدراسة والعمل»، يقول والده عيسى الملالي، لافتاً إلى أن ابنه عاش مطارَداً منذ العام 2011 حتى العام 2017، تاريخ اعتقاله. كان أحمد يحاول الفرار إلى خارج البلاد عبر البحر طلباً للنجاة، لكن قوات النظام داهمت القارب الذي حمله وتمكنت من اعتقاله. «كنت أحتمي بحافة القارب وكان الرصاص يتطاير، حينها قلت لنفسي يا ليت واحدة من هذه الرصاصات تصيبني لأستشهد الآن، لكن الرصاصة أصابت يدي في الرسغ، لقد تمنّيت الشهادة بطريقة أخرى، لكنها أتت في النهاية، وهذا هو الأهم»، يقول أحمد مستذكِراً تفاصيل الحادثة في اللقاء الأخير الذي جمعه بأهله. لقاءٌ لم يتمّ إلا بعد إجراءات مشدّدة «وصلت حدّ تجريد النساء من الحجاب، وتفتيش ربطات شعورهنّ»، بينما انتهى بعبارات: «ودّع ابنك. بقي وقت قليل. الزيارة ستنتهي»، ينقل عيسى الملالي، مضيفاً أن «أحمد كان هو من يصبّرنا خلال الزيارة»، خاتماً حديثه بالتأكيد أن «ولدي بريء»، والدعوة بالانتقام من «أي شخص ظلمه».
هو «واحد من أحلك أيام البحرين» كما وصفه «معهد البحرين للحقوق والديمقراطية»، لافتاً إلى أن «الحكومة البحرينية خطّطت لهذا بإتقان، واختارت توقيت الإعدامات ليتزامن مع عطلات المجالس التشريعية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، حتى تتجنب الأنظار الدولية»، فيما رأت «جمعية الوفاق الوطني الإسلامية»، كبرى الجمعيات المعارضة المنحلّة، في عملية الإعدام دليلاً على تورّط السلطات في التنسيق مع تنظيم «القاعدة» لتنفيذ اغتيالات في صفوف المعارضة، الأمر الذي «انعكس بشكل واضح وجليّ على سلوك النظام وتصرّفاته المجنونة، منذ أن عُرضت شهادات مصوّرة لأعضاء في تنظيم القاعدة وتنظيم إرهابي آخر أقرّوا فيها بذلك»، في إشارة إلى تحقيق «اللاعبون بالنار» الذي عرضته قناة «الجزيرة» القطرية أخيراً. وأكدت «الوفاق» أن «هذا الإرهاب لن يزيد شعب البحرين إلا إصراراً وعزماً وصبراً»، وأن «كل المحاولات منذ ثماني سنوات فشلت في إسكات صوت الشعب».