بعد تأجيل دام ثلاثة أيام، انتهى بجلسة مفاوضات مساء أول من أمس، وقّع أعضاء المجلس العسكري وتحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» وثيقة الاتفاق السياسي، التي تحدد أطر مؤسسات الحكم. لكنه يبقى اتفاقاً غير ملزم للطرفين إذا لم يوقع غداً الإعلان الدستوري، الذي سيحدد صلاحيات هياكل السلطة الثلاثة وسلطاتها: السيادية والتنفيذية والتشريعية، في الفترة الانتقالية التي تستمر ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. لذلك، يُعدّ «الدستوري» الاتفاق الأهم، نظراً لكونه ملزماً أولاً، وللخلافات حول كثير من بنوده ثانياً، وعلى رأسها «الحصانة المطلقة» التي يمنحها لأعضاء «المجلس السيادي»، وترفضها قوى «الحرية والتغيير»، في ما تبدو معركة «كسر عظم» بين الطرفين بشأن إمكانية محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت منذ الانقلاب على الرئيس عمر البشير في 11 نيسان/ أيلول. وفي هذا الإطار، يسعى المبعوث الأميركي الخاص، دونالد بوث، إلى حلحلة الخلاف حول «الحصانة» من خلال لقاءات مع الطرفين قبل موعد الاتفاق الدستوري، بحسب ما تحدثت مصادر في «الحرية والتغيير»، مشيرة إلى أنه «لمس من العسكر أنهم غير متمسكين بها»، فيما اتفق أعضاء التحالف فيما بينهم على أن تكون الحصانة «مقيَّدة».

وفضلاً عن إمكانية ملاحقة العسكر قانونياً، ما يعقّد إمكانية اتفاق الطرفين على وثيقة دستورية، فإن الاتفاق الموقع أمس أحال نقاطاً خلافية كثيرة ومهمة إلى الاتفاق الدستوري، من بينها صلاحيات ووظائف وسلطات «المجلس السيادي»، خصوصاً «حق الفيتو» في تعيين الوزراء، الذي تحدث عنه رئيس المجلس العسكري، عبد الفتاح البرهان، الأمر الذي يرفضه التحالف، مصراً على تشكيل مجلس الوزراء كاملاً من قبله من دون تدخل العسكر. أما في شأن تشكيل المجلس، فأبقى الاتفاق السياسي على ما اتُّفق عليه في المسودة الأولى، بأن يتشكل من 11 عضواً، خمسة عسكريين يختارهم «العسكري»، وخمسة تختارهم «الحرية والتغيير»، تضاف إليهم شخصية مدنية تُختار بالتوافق بين الطرفين، يمكنها أن ترجّح كفة الميزان لأحد الطرفين، ما قد يجعلها محطة خلاف أيضاً مستقبلاً. كذلك، أبقى الاتفاق الجديد على الاتفاق الأول بأن يترأس الأعضاء العسكريون «السيادي» لواحد وعشرين شهراً ابتداءً من تاريخ التوقيع على الاتفاق، على أن يترأس المدنيون الثمانية عشر شهراً الباقية من الفترة الانتقالية.
وفي ما يتصل بالحكومة، ربط الاتفاق الجديد البند الذي يمنح قوى «الحرية والتغيير» اختيار اسم رئيس الوزراء بشروط في المرسوم الدستوري، من دون أن يذكرها. وترك للأخير تحديد صلاحيات مجلس الوزراء وسلطاته، الذي نصّ على أن يتشكل من «شخصيات وطنية ذات كفاءات مستقلة لا يتجاوز عددها العشرين وزيراً، يختارهم رئيس مجلس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير» بالتشاور، عدا «وزيري الدفاع والداخلية»، اللذين يعينهما الأعضاء العسكريون في «السيادي». وترك لرئيس مجلس الوزراء أن يرشح استثناءً شخصية حزبية ذات كفاءة أكيدة لممارسة مهمة وزارية. ونصّ أيضاً على أنه «لا يجوز لمن شغل منصباً في مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو ولاة الولايات أثناء الفترة الانتقالية الترشح في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية».

تبدو المواقف المتباينة بين قوى «الحرية والتغيير» مُهدِّداً حقيقياً للاتفاق السياسي


أما في شأن «المجلس التشريعي»، فلم تُحسَم نسبة تمثيل الطرفين، في ظل إصرار العسكر على إرجاء هذا الأمر، وتمسك قوى «الحرية والتغيير» بما اتُّفق عليه سابقاً (حصول التحالف على نسبة 67 بالمئة من العضوية)، لكنه حدد آلية لممارسة مهماته بالتشارك بين «السيادي» والحكومة، على أن يُبتّ في الأمر في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين «المجلس السيادي». إذ نص الاتفاق على أن يشكل المجلس «في فترة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ تكوين مجلس السيادة»، وإلى حين تشكيله، «يمارس مجلس السيادة ومجلس الوزراء في اجتماع مشترك السلطات التشريعية للمجلس، على أن يرفع أي تشريع إلى مجلس السيادة للاعتماد والتوقيع، ويعتبر التشريع المودع قانوناً نافذاً بعد مضي 15 يوماً من تاريخ إيداعه لدى مجلس السيادة».
أمام السلطة الجديدة في المرحلة الانتقالية مهمات عدة حددها الاتفاق، أُولاها اعتماد مجلس الوزراء «خطة اقتصادية ومالية وإنسانية عاجلة». وفي هذا الإطار، تعمل واشنطن على إغراء الطرفين بمساعدات مالية للبلاد، من المتوقع أن تطلب من الرياض تقديمها، توازياً مع التلميح إلى إمكانية رفع السودان من «قائمة الدول الراعية للإرهاب» الأميركية، التي سبق أن رهنها المبعوث الأميركي بتشكيل «حكومة مدنية». وبحسب ما نقل أعضاء من «الحرية والتغيير»، اقترح بوث أن يتوجه وفد من الحكومة المدنية حال تشكيلها إلى واشنطن للقاء الكونغرس والعمل على إقناعه بشطب اسم السودان من القائمة، لكون القرار يعود إلى الكونغرس أكثر من الإدارة التنفيذية، علماً أن الأول لوّح بعقوبات جديدة في حال رفضِ العسكر تسليم السلطة.
والمهمة الثانية: «وضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام الشامل في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بالتشاور مع كافة الحركات المسلحة». لكن ما يعقّد تحقيق ذلك «في مدة لا تتجاوز ستة أشهر»، أن حركات مسلحة عدة منضوية في «الحرية والتغيير» أعلنت تحفظها على الإعلان السياسي، باعتباره لا يلبي التطلعات في تحقيق السلام الشامل، ومن بينها «الحركة الشعبية ـــ قطاع شمال» التي تخوض تمرداً مسلحاً في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. إذ أشار رئيسها، مالك عقار، أمس، إلى أن «الذين وقعوا الاتفاق لا يمثلون كل قوى الحرية والتغيير»، معتبراً أن «الاتفاق تجاهل قضايا مهمة تُبحَث في أديس أبابا، وأُحدِث تقدم فيها وعلى رأسها قضية السلام». والأمر نفسه علَّق عليه رئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، في تغريدة في «تويتر»، وصف فيها «ما حدث (بأنه) استهتار بالمشاورات التي تجري» في العاصمة الإثيوبية.
وفضلاً عن الحركات المسلحة، تبدو المواقف المتباينة بين قوى «الحرية والتغيير» مهدداً حقيقياً للاتفاق الذي وُقع بغياب «قوى الإجماع الوطني»، أحد المكونات التي لها حق التعديل في مسودة الاتفاق، إلى جانب «تجمع المهنيين السودانيين» و«التجمع الاتحادي المعارض» و«تحالف نداء السودان» و«تجمع منظمات المجتمع المدني». ويبدو جنوح «قوى الإجماع» إلى التصعيد، ورفض «الحزب الشيوعي السوداني» المنضوي فيها الاتفاق السياسي الحالي، كما أعلن أمس، مؤشراً على قصر عمر الاتفاق؛ إذ يمكن التكتل إفشاله من خلال إثارة القضايا الخلافية وتبيان تداعياتها إعلامياً، تماماً كما جعل موضوع «الحصانة» حجر عثرة في طريق التوقيع على الوثيقة الدستورية من خلال تسريبها، وما صاحب ذلك من غضب شعبي تُرجم باحتجاجات في عدة مدن تطالب بإلغاء الاتفاق، وبالتالي، إجبار المكونات الأخرى على التراجع.
ويبدو «تجمع المهنيين السودانيين»، في ظل المخاض الحالي، في موقف أقرب إلى «قوى الإجماع» من المكونات الأخرى التي تهادن العسكر، مثل «نداء السودان» الذي يتزعمه الصادق المهدي الطامع في السلطة. ولا شك في أن موقف «التجمع» حاسم، خصوصاً أنه الأقدر على برمجة الاحتجاجات (الجداول المعتمدة للمسيرات التي بدأت منذ الـ14 من الشهر الحالي، ولا تزال قائمة). وبدا تناغم «المهنيين» و«قوى الإجماع» واضحاً في الإصرار على تثبيت أحقية التحالف في صياغة هياكل الحكم، إذ أعلن «التجمع» رفضه «الحصانات المطلقة» لأعضاء «السيادي»، ورفض تعيين رئيس القضاء والنائب العام من قبل «السيادي»، ورفض أيضاً تمديد حالة الطوارئ من قبل البرهان، وطالب بتضمين الشباب والنساء في الوثيقة السياسية، وشدد على ضرورة التحقيق في مجزرة القيادة العامة، التي سبق أن حمَّلها للعسكر.



قوى بارزة في «الحرية والتغيير» ترفض الاتفاق


أعلنت أحزاب وتنظيمات في قوى «الحرية والتغيير» رفضها للاتفاق السياسي الموقع بين المجلس العسكري وبعض أطراف التحالف المعارض. ومن بين الرافضين «الحزب الشيوعي السوداني» المنضوي في تحالف «قوى الإجماع الوطني»، و«الجبهة الثورية» التي تضم حركات مسلحة متحالفة مع «نداء السودان»، و«شبكة الصحفيين السودانيين»، أحد مكونات «تجمع المهنيين السودانيين». وكان «الشيوعي» أول من أعلن رفضه للاتفاق، باعتباره «كرّس هيمنة المجلس العسكري على كل مفاصل الدولة». وتعهد، في بيان، باستمرار «التصعيد الجماهير السلمي» حتى «الانتزاع الكامل للحكم المدني الديموقراطي»، فيما رأت «الجبهة الثورية» أن الاتفاق «لم يعالج قضايا الثورة»، و«تجاهل أطرافاً وموضوعات مهمة». من جهتها، اعتبرت «شبكة الصحفيين» أن الاتفاق يصبّ في «ذات الاتفاقيات القديمة التي لم تصنع واقعاً جديداً لشعبنا»، وأنه «يُريد أن يقطع الطريق أمام المَد الثوري من أجل الحفاظ على المُكتسبات والامتيازات التاريخية لقلة من السودانيين على حساب أغلبية الشعب».