يبدو أن ما قبل «اتفاق الخرطوم» ليس كما بعده بالنسبة إلى تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» التي خاضت مواجهة مع المجلس العسكري منذ الانقلاب على الرئيس المخلوع عمر البشير في 11 نيسان/أبريل. فالمطالب التي شدّدت عليها طوال تلك المدة لم تعد في سلم الأولويات منذ إعلان الاتفاق الجمعة الماضي، فلا هي تتمسك اليوم بتشكيل مجلس سيادي مدني برئاسة مدنية وبتمثيل عسكري محدود، ولا بتشكيل حكومة مدنية من قبل التحالف المعارض وحيداً، ولا حتى باتفاق على تعيين غالبية الأعضاء في البرلمان الانتقالي. كذلك لا تحرص على ثنائية الاتفاق بينها وبين العسكر، بل تتطلع إلى توسيعه ليشمل الحركات المسلحة التي كانت ترفض مفاوضات «الحرية والتغيير» مع العسكر، ولا تزال ترفض الاتفاق، تماماً كما كان «العسكري» يسعى إبّان جولات المفاوضات الأربع المتقطعة.

إشراك الحركات المسلحة، كونه يأتي بعد الاتفاق ـــ المتوقَّع أن تنتهي اللجنة المشتركة القانونية من صياغته اليوم ـــ يهدف إلى تهيئة مناطق النزاعات للمرحلة المقبلة في البلاد، ويُبقي القوى السياسية المشاركة في النظام البائد وحدها خارج منظومة الحكم الجديد، وبذلك الإسلاميين الذين يرفضون إقصاءهم من المرحلة الإنتقالية. لكنّ للحركات المسلحة التي رفضت «إقصاءها» وضعاً آخر دفع «الحرية والتغيير» إلى اتصالات مع اثنين من قادتها، هما: رئيس «الحركة الشعبية ـــ قطاع شمال»، عبد العزيز الحلو، الذي سعى «الحزب الشيوعي السوداني» إلى إدخاله في منظومة التحالف في وقت سابق، ورئيس «حركة جيش تحرير السودان»، عبد الواحد نور، الذي تقوم رؤيته لحكم البلاد على إقامة نظام علماني ديموقراطي، وتربطه علاقات علنية بإسرائيل.
القصد من هذه الاتصالات استقطاب الحركات التي لم توقع على «إعلان الحرية والتغيير»، مثلما وقّعت حركة «العدل والمساواة»، بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة «تحرير السودان»، بقيادة مني أركو مناوي، ضمن تحالف «قوى نداء السودان». ويبدو أن إشراك هذه الحركات سيكون في المجلس التشريعي، على أن يمثلوا في نسبة الـ33% من عضويته، إذا أبقي على الاتفاق السابق الذي تحصل «الحرية والتغيير» فيه على 67% من الأعضاء. لكن تلك النسب لا تبدو ملزمة في الاتفاق الجديد الذي نص على «إرجاء إقامة المجلس التشريعي والبت النهائي في تفصيلات تشكيله، حال تم قيام المجلس السيادي والحكومة المدنية».

يمنح الاتفاق «السيادي» حق «الفيتو» في اختيار الوزراء وفق رئيسه المرتقب


في المقابل، وكما رفضت الحركات المسلحة غير الموقعة على «إعلان الحرية والتغيير» الاتفاق، خرجت قوى سياسية تقليدية أمس، رأت أن «العسكري» مارس «الإقصاء» بحق الأحزاب السياسية عبر حصره التفاوض مع «الحرية والتغيير»، من بينهما «تنسيقية القوى الوطنية»، وهي مجموعة الأحزاب التي كانت مشاركة في النظام البائد، وظلت تدافع عنه حتى سقوطه، وكان المجلس قد حرص على تفاهمات معها قبل الاتفاق بأيام. وقد يدفع إبلاغها رئيس «العسكري» رفضها الاتفاق المبرم، الأخير، إلى الجلوس معها، شأنها شأن الحركات المسلحة، لإدخالها في الاتفاق، لكن عبر الحكومة على الأرجح، كون معظم أعضائها لهم باع طويل في المواقع الرسمية والوزارات، في حين يمنح «اتفاق الخرطوم»، المجلس السيادي «حق الفيتو» في اختيار الوزراء، كما أعلن رئيسه المرتقب، رئيس «العسكري» عبد الفتاح البرهان أمس، ما يعني أن تشكيل الحكومة من 17 وزيراً لن يكون من صلاحيات «الحرية والتغيير» وحدها عملياً، كما جرى الحديث عن الاتفاق في بدايته، في حين أن المناصفة المتفق عليها في «السيادي» تمنح أعضاء «العسكري» الغالبية فيه للسنة والأشهر التسعة الأولى من المرحلة الانتقالية، ولا سيما لجهة نسب التوزيع وفق صيغة «5+5+1» غير المكتملة بغياب الاتفاق على المقعد المدني الحادي عشر الذي ترجح تقارير استخبارية أن يكون من العسكر.