في الأيام الأولى بعد سقوط مدينة غريان (جنوبي غربي العاصمة) في أيدي قوات حكومة الوفاق، اختلّ توازن قوات المشير خليفة حفتر بخسارتها عدداً مهماً من المقاتلين والآليات، وتضرّر خطوط إمدادها التي تنطلق من شرق البلاد وتمرّ عبر منطقة الجفرة الصحراوية في وسطها وصولاً إلى مواقعها في جنوب طرابلس. وفي غضون ذلك، حاولت قوات «الوفاق» الزحف نحو ترهونة (جنوبي شرقي العاصمة) التي تمثل المعقل الاستراتيجي الأخير لقوات حفتر. خلال تقدمها براً، ومع اقترابها من المدينة، تلقت خسائر مهمة بسبب جغرافية المكان التي تسمح لمقاتلي حفتر بالتمركز في مناطق عالية.

مع فشل الحملة البرية، تركزت جهود «الوفاق» على القصف الجوي، لكنها فقدت أيضاً طائرة مقاتلة يقودها اثنان من بين حفنة طيارين مؤهلين يعملون انطلاقاً من الكلية الجوية في مصراتة. هكذا، وبحفاظها على تموقعاتها حول ترهونة، عاد لقوات حفتر بعض الثقة، على رغم اتخاذ «الغرفة الأمنية المشتركة» في المدينة إجراءات تمنع دخول العربات العسكرية إلى الأماكن المأهولة بالسكان إلا للصيانة، وذلك لتجنّب القصف الجوي، وربما لمنع تغلغل قوات حفتر في الأحياء تحسباً لأي طارئ قد يدفع في اتجاه مصالحة بين المدينة و«الوفاق».
أما إسقاط الطائرة المقاتلة، فكان بواسطة منظومة دفاع جوي روسية الصنع أرسلتها الإمارات إلى قوات حفتر غداة إطلاقها الهجوم على طرابلس، وقد نجحت سابقاً في إسقاط مقاتلتين أخريين على الأقلّ. وثمة إشارات على استمرار تدفق الدعم الإماراتي؛ إذ أرسلت قوات المشير في الأيام الأخيرة «دفعة ثانية» من التشكيلات العسكرية إلى جبهات جنوب العاصمة، مجهَّزة بعربات مدرعة تنتجها شركة «النمر» الإماراتية، كما انتشرت أمس صور لعشرات الحاويات التي تحوي عربات مماثلة وصلت شرق البلاد.
حتى الآن، تشمل الترسانة العسكرية التي أرسلتها أبو ظبي طائرات مسيّرة قتالية صينية الصنع، ومنظومة دفاع جوي، وصواريخ مضادة للمدرعات أميركية الصنع، ومدرعات وناقلات جنود من أحجام مختلفة، وغرفة عمليات متحركة (خسرتها في غريان)، كما أرسلت خبراء عسكريين، وفق شهادات غير مؤكدة لأسرى. مقابل ذلك، تكثّف تركيا دعمها العسكري لحكومة «الوفاق»، الذي يشمل حتى الآن طائرات قتالية مسيّرة، وعربات مدرعة، وصواريخ مضادة للمدرعات، وخبراء عسكريّين.

أسقطت طائرة مقاتلة لقوات «الوفاق» بواسطة منظومة روسية أرسلتها الإمارات


والجمعة الماضي، سافر رئيس المجلس الرئاسي لـ«الوفاق»، فائز السراج، إلى أنقرة، حيث التقى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي أكد دعمه لحلفائه الليبيين في وجه قوات حفتر التي وصفها بـ«غير الشرعية». وبالتوازي مع ذلك، رُصد تحرك طائرة شحن عسكرية، تتبع شركة «سكاي آفيا ترانس» الأوكرانية، بين مطار «ايسنبوغا» في أنقرة ومطار «معيتيقة» في طرابلس. وفي واقع الأمر، أجرت الطائرة رحلات بين المطارين على امتداد أربعة أيام متواصلة، وبالنظر إلى طاقة شحنها المرتفعة، فإن الأسلحة التي وصلت ليبيا يمكن أن تمثل انعطافة في مسار الحرب، خاصة مع الإشاعات حول توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين الطرفين.
تدريجياً، يتحول الصراع العسكري في ليبيا إلى حرب بالوكالة بين المحور التركي ــــ القطري والمحور الإماراتي ــــ السعودي ــــ المصري، إذ تتكثّف شحنات التسليح لتخلق دائرة مفرغة لن يتضرر منها سوى الشعب الليبي. يجري هذا تحت أنظار المؤسسات الإقليمية والدولية العاجزة عن وضع حدّ للنزاع، أو حتى تخفيفه ورسم خطوط حمر. ففي مقابل مجزرة مركز احتجاز المهاجرين في ضاحية تاجوراء بطرابلس، التي ذهب ضحيتها أكثر من 50 مهاجراً عبر قصف جوي، اكتفى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي بالإدانة، من دون تحميل المسؤولية أو تشكيل لجان تحقيق مستقلة. أما جامعة الدول العربية، فلم تتداول الموضوع أصلاً، وهي تدير وجهها باستمرار لدعوات عقد جلسات حول ليبيا.